التخطي إلى المحتوى

بقلم: ناصر السلاموني

في الرابع والعشرين من سبتمبر 2026، كان المشهد في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة معبّرًا بذاته: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمته، ووفود عشرات الدول تغادر القاعة احتجاجًا على سياسات إسرائيل وحربها في المنطقة، فيما بقيت وفود دول أخرى في مقاعدها.

وسط هذا الانقسام الدولي، عاد سؤال «اتفاقيات إبراهام» إلى الواجهة من جديد: لماذا أصرّت الولايات المتحدة، وما زالت تدفع، نحو توسيع هذه الاتفاقيات لتشمل مزيدًا من الدول العربية والإسلامية؟ وهل هي مجرد اتفاقيات سلام وتعاون اقتصادي، أم أن خلفها مشروعًا أوسع لإعادة تشكيل العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الشرق الأوسط؟.

إبراهيم عليه السلام: الملة الدينية واتفاقية السياسة

يصبح السؤال أكثر حساسية عندما نضع اسم «إبراهام» في سياقه الديني؛ فهل المقصود هو إبراهيم عليه السلام الذي يجتمع حوله أتباع الشرائع السماوية، أم أن الاسم الديني أصبح غطاءً لمشروع سياسي؟ وهل هناك فرق بين ملة إبراهيم عليه السلام واتفاقيات إبراهام؟

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 65-67].

ويقول سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 131-132].

كما يقول تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78].

إذن فـ«ملة إبراهيم» في القرآن الكريم مفهوم ديني وعقدي، وليست اسمًا لاتفاق سياسي معاصر.

أما «اتفاقيات إبراهام» فهي تسمية سياسية ودبلوماسية أُطلقت على مسار بدأ عام 2020 برعاية أمريكية، وأدّى إلى إقامة علاقات رسمية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، في مقدمتها الإمارات والبحرين، ثم المغرب والسودان.

ويتحدث النص الرسمي لإعلان إبراهام عن التعايش والحرية الدينية والحوار بين الأديان والثقافات، والتعاون في مجالات العلم والطب والتجارة، والسلام والأمن والازدهار.

ما وراء الاتفاقيات: مشروع إقليمي أوسع

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كانت إبراهام مجرد اتفاقيات سلام وتعاون اقتصادي، أم أنها جزء من مشروع أكبر لإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإسرائيلية؟

الوثائق الأمريكية نفسها تكشف أن الأمر يتجاوز العلاقات الثنائية؛ إذ حدّدت الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا هدفًا معلنًا يتمثل في زيادة التطبيع السياسي والاقتصادي مع إسرائيل من جانب الدول العربية والدول ذات الأغلبية المسلمة، ودعم اندماج إسرائيل إقليميًا وتوسيع التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني معها.

وتضاف إلى ذلك مؤشرات اقتصادية ملموسة: فالتبادل التجاري والتعاون التكنولوجي في مجالات الطاقة والمياه والزراعة والصحة والأمن السيبراني أصبح ركيزة أساسية في العلاقات الثنائية، مع توقيع شركات إسرائيلية اتفاقيات في مجالات الأمن السيبراني والري وتكنولوجيا المياه، إلى جانب صفقات تسليح متبادلة مع بعض الدول الموقّعة.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي بتوسيع دائرة إبراهام لتشمل دولًا ذات وزن سياسي واقتصادي وديني كبير، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.

ففي يوليو 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية مرتبط بانضمام الرياض إلى اتفاقيات إبراهام، بينما ظلت السعودية تربط التطبيع مع إسرائيل بإحراز تقدم نحو إقامة دولة فلسطينية، متمسكة بمبادرة السلام العربية التي أُقرّت عام 2002 وتقوم على انسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة مقابل تطبيع كامل.

الحالة المغربية: الصحراء والهوية اليهودية

أما المغرب، فقصته أكثر تعقيدًا؛ لأنها لا تتعلق بالتطبيع مع إسرائيل وحده، وإنما تتداخل فيها قضية الصحراء الغربية، والعلاقات الأمريكية المغربية، والبعد التاريخي للجالية اليهودية المغربية.

ففي ديسمبر 2020، ربط الإعلان الثلاثي الأمريكي المغربي الإسرائيلي بين استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية وبين اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، إلى جانب فتح مجالات جديدة للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والرحلات المباشرة.

وفي الوقت نفسه، واصلت المملكة المغربية إبراز المكون اليهودي باعتباره أحد روافد الهوية المغربية، وعملت على تنظيم شؤون الطائفة اليهودية والمحافظة على تراثها وشؤونها الدينية والثقافية، بما يعكس المكانة التاريخية والقانونية لليهود المغاربة وما تحظى به طائفتهم من اعتراف داخل المملكة، وهو ما تعكسه أيضًا إعادة ترميم عدد من الكنائس والمقابر والمعابد اليهودية في مدن مثل فاس وأسفي وتطوان.

القضية الفلسطينية: ما بين الوعد والوعيد

وفي المقابل، فإن اتفاقيات إبراهام لم تُنهِ القضية الفلسطينية، بينما استمر الخطاب السياسي الإسرائيلي الرافض لإقامة دولة فلسطينية.

ففي سبتمبر 2025 أعلن نتنياهو صراحة أنه «لن تكون هناك دولة فلسطينية» غرب نهر الأردن، وقال إن إسرائيل ضاعفت الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية وستواصل هذا المسار، وهو ما يتجلى في التقارير الدولية التي ترصد توسّعًا مستمرًا في البؤر الاستيطانية وتصاعدًا في وتيرة التهجير القسري والتضييق الاقتصادي على المدن الفلسطينية.

ومن هنا يظهر «الوعد»: السلام والتعاون الاقتصادي، وفتح الأبواب أمام التجارة والسياحة والاستثمار، والتعاون في التكنولوجيا والطاقة والمياه والصحة والأمن، وتعزيز الحوار بين أتباع الأديان.

وفي المقابل يظهر «الوعيد» في المخاوف من أن يؤدي هذا المسار، في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والصراع الفلسطيني، إلى مزيد من القلاقل وعدم الاستقرار، وإلى إعادة ترتيب المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا على نحو لا يعالج جذور القضية الفلسطينية.

كما أن وجود خطاب سياسي إسرائيلي يدفع باتجاه رفض الدولة الفلسطينية وتوسيع السيطرة والاستيطان يجعل الربط بين مسار التطبيع ومخاوف التوسع الإسرائيلي موضوعًا سياسيًا مطروحًا للنقاش، خصوصًا لدى الدول والشعوب التي ترى أن التطبيع ينبغي ألا يأتي على حساب الحقوق الفلسطينية.

من الاقتصاد إلى الأمن: تحوّل في طبيعة المسار

لقد أصبح اسم «إبراهام» أكثر من مجرد تسمية لاتفاقيات دبلوماسية؛ فهو يحمل دلالة دينية عميقة، بينما تستخدمه السياسة الحديثة في بناء شبكة من العلاقات الإقليمية.

ولذلك فإن القضية ليست في اسم إبراهيم عليه السلام ولا في مبدأ التعايش بين أتباع الأديان، وإنما في الأهداف السياسية والاستراتيجية والنتائج المترتبة على هذه الاتفاقيات.

ومن الوقائع المعلنة أن واشنطن تسعى إلى توسيع التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل ودمجها بصورة أعمق في محيطها الإقليمي، بينما تصطدم هذه السياسة بتصريحات إسرائيلية موثقة ترفض قيام دولة فلسطينية وتدعو إلى استمرار التوسع الاستيطاني.

وقد تُستخدم هذه الاتفاقيات للتعاون العسكري ضد دول أخرى؛ فقد شهدت أبوظبي تحركات ولقاءات أمنية إسرائيلية وإقليمية لافتة، تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولقائه القيادة الإماراتية بحضور مسؤولين أمنيين واستخباراتيين إسرائيليين، ومن المغرب وقطر وممثلين عن قوات حفتر الليبية، بالتزامن مع تحركات إقليمية أخرى.

ورغم عدم الإعلان رسميًا عن أجندة أمنية مشتركة لهذه التحركات، إلا أن توقيتها وتركيبتها يطرحان تساؤلات حول انتقال مسار إبراهام من التعاون الاقتصادي والدبلوماسي إلى ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، ولا سيما في ظل التوتر المتصاعد مع إيران وتباين المواقف الدولية تجاه الملف النووي الإيراني.

ويبقى السؤال الأهم معلّقًا: هل يقدّم مسار إبراهام صيغةً للاستقرار الإقليمي تقوم على التوازن والمصالح المشتركة، أم أنه يعيد إنتاج أزمات المنطقة بصيغة جديدة، يُستخدم فيها الاسم الديني غطاءً لمشروع سياسي وأمني تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات إقليمية ضيقة؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *