التخطي إلى المحتوى

حدود التعامل بين الخاطب وخطيبته: توضيح حاسم من دار الإفتاء المصرية

تُعد فترة الخطوبة من أحرج المراحل التي يمر بها الشباب والفتيات المقبلون على الزواج، إذ تتصاعد التساؤلات حول ما يجوز وما لا يجوز في التعامل بين الطرفين خلال هذه الفترة الرمادية التي تفصل بين الإقدام على الخطبة وعقد القران.

وتتنوع هذه التساؤلات بين ما يتعلق بحدود الحديث واللقاء، وما يرتبط بالتعاملات المادية والهدايا، وبين ما يخص اشتراط بعض الأسر ضرورة وجود محرم أثناء أي لقاء أو تواصل.

المفهوم الشرعي للخطوبة

في البداية يجدر توضيح أن الخطوبة في الفقه الإسلامي ليست عقداً ملزماً ولا عقد زواج، بل هي وعد بالزواج يمكن للطرفين العدول عنه دون الحاجة إلى طلاق أو إجراءات قضائية، وبناءً على هذا المفهوم يكون الخاطب حتى إتمام العقد أجنبياً عن خطيبته في أحكام الشرع، ولا تترتب على الخطبة الآثار التي تترتب على الزواج من ميراث أو نفقة أو عصمة.

الرأي الشرعي المفصل لأمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية

تلقى مركز الأزهر الشريف للفتوى ودار الإفتاء المصرية عدداً كبيراً من الاستفسارات حول طبيعة العلاقة والحدود المشروعة للتواصل بين الشاب والفتاة خلال فترة الخطبة، وقد أجاب فضيلة الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن هذه التساؤلات بشكل مفصل وحاسم.

وأكد أمين الفتوى أن الخطوبة مجرد وعد بالزواج لا يبيح للطرفين تجاوز الحدود الشرعية التي أرستها الشريعة الإسلامية، مشدداً على ضرورة أن يبقى التعامل قائماً على الاحترام المتبادل والالتزام بالضوابط الأخلاقية والدينية، بما يضمن بداية مباركة وموفقة للحياة الزوجية القادمة.

وفيما يتعلق بالتواصل وتبادل الحديث، أوضح أن الحوار بين الخطيبين جائز شرعاً بالقدر الذي يحقق الغرض المشروع من التعارف والتعرف على أخلاق الطرف الآخر وطباعه، شريطة أن يكون الكلام بعيداً عن الخضوع في القول أو الموضوعات التي تثير الفتنة، مستشهداً بقوله تعالى: “فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ”، مع التنبيه على أن الأصل في مراقبة الله تعالى في السر والعلن كفيل بضبط هذا التواصل وحفظ حدوده.

ضوابط اللقاء والخلوة بين الخطيبين

أما عن اللقاء المباشر، فبيّن أمين الفتوى أن الأصل في لقاء الخاطب بخطيبته هو الجواز إذا كان بقدر الحاجة، وأن اطمأن كل منهما للآخر فيكون مرغباً في إتمام الزواج، غير أن هذا الجواز مشروط بعدم وجود خلوة شرعية بينهما، فلا يجوز أن يجلسا في مكان مغلق لا يطلع عليهما فيه أحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم”، كما اشترط أن يكون اللقاء بعلم الأهل ورضاهم وبما يحفظ للفتاة كرامتها ويصون سمعتها.

وأشار إلى أن التزام الطرفين بالضوابط الشرعية في فترة الخطوبة ليس تضييقاً عليهما، وإنما هو حماية للعلاقة الزوجية المقبلة من الشكوك التي قد تفتح باباً للنزاع في المستقبل، فالرجل الذي يطلب من خطيبته التجاوز بحجة الحب أو قرب الزواج إنما يفتح باب الريبة على نفسه قبل غيره.

حكم الهدايا والتعاملات المادية

وفي مسألة الهدايا والتنازل عن المال بين الخطيبين، أوضح أهل العلم أن هدايا الخطوبة تأخذ حكم الهبة في حال بقاء الخطبة، فإن فسخ الخطبة بعدها فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنها تعتبر هبة لا ترجع لصاحبها إلا إذا اشترط الرجوع أو كانت الهدية بغرض التمكين من عقد الزواج، مستندين إلى حديث: “العائد في هبته كالعائد في قيئه”، مع تفريق بعض الفقهاء بين ما يكون من قبيل الهدية التقديرية والعرفية وبين ما يشترط فيه بقاء الخطبة.

الأسئلة الأكثر تكراراً حول الخطوبة

ومن أبرز ما يتكرر في الفتاوى حول الخطوبة، هل يجوز التسامح في النظر إذا ارتجى الزواج؟ وقد رخص أهل العلم في أن يرى الرجل من خطيبته ما يدعوه إلى النكاح عملاً بحديث المغيرة بن شعبة حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: “انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما”، غير أن هذا النظر يكون بالقدر الضروري ومن دون تكرار أو شهوة.

أما عن تواصل الأقارب والذهابية الإلكترونية عبر الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، فالترخيص المذكور لا يشمل تناقل الصور أو المكالمات التي تصل إلى حد التحدث بأذلة وتكسير في الصوت، ويظل الشرط الأساسي هو الكلام المعروف الذي لا ريبة فيه ولا خضوع.

وفي ختام الفتوى نصح أمين الفتوى الخطيبين بسرعة إتمام العقد عند القدرة عليه إذا وافقت رغبات الطرفين وتمايلت القلوب، فالانتظار الطويل في فترة الخطوبة قد يجر إلى ما تنفسم عنه الفطرة فيصعب التحكم فيه، وكما قال عليه الصلاة والسلام: “من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *