شهدت الفترة الأخيرة نقاشات واسعة النطاق داخل أروقة البرلمان المصري حول سبل النهوض بالثروة الزراعية والصناعية في البلاد.
وفي هذا السياق، كشفت النائبة نجلاء العسيلي، عضو مجلس النواب، عن استراتيجية متكاملة تهدف إلى إحداث طفرة حقيقية في قطاع الغزل والنسيج عبر التركيز على القيمة المضافة للذهب الأبيض المصري، وتحويله من مجرد مادة خام تُصدَّر إلى منتج نهائي يحمل بصمة الصناعة الوطنية.
تعظيم الاستفادة من المحاصيل الاستراتيجية
أكدت النائبة نجلاء العسيلي أن الوقت قد حان لتغيير فلسفة التعامل مع المحاصيل الزراعية الكبرى، وتحديداً القطن المصري الذي يحظى بسمعة عالمية فريدة منذ عقود.
وأوضحت أن الاكتفاء بتصدير القطن كمادة خام لم يعد خياراً اقتصادياً مجدياً، مشددة على أهمية التوسع في التصنيع المحلي لضمان تحقيق أعلى عائد ممكن للدولة وللفلاح على حد سواء.
ويُعد القطن المصري طويل التيلة، وخاصة صنفي «جيزة 86» و«جيزة 90»، من أجود أنواع القطن في العالم، حيث يتميز بمتانة أليافه ونعومة ملمسه وقدرته الفائقة على امتصاص الأصباغ، مما يجعله مطلوباً بشدة في أسواق الملابس الفاخرة الأوروبية والأمريكية والآسيوية.
ووفقاً لبيانات رسمية، تبلغ المساحات المزروعة بالقطن في مصر نحو 250 ألف فدان سنوياً، وهو رقم أقل بكثير من الطاقة الإنتاجية القصوى للدولة، مما يفتح المجال أمام التوسع في الرقعة الزراعية.
دعم غير مسبوق للفلاح المصري
وأضافت العسيلي أن الدولة تولي اهتماماً بالغاً بتقديم كافة سبل الدعم والتحفيز للمزارعين من أجل التوسع في رقعة زراعة القطن، باعتباره ركيزة أساسية لتقليل الواردات وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية.
ولفتت إلى أن تحويل القطن محلياً إلى ملابس ومنسوجات جاهزة للاستهلاك والتصدير يفتح آفاقاً واسعة لتوفير فرص عمل جديدة وينشط عجلة الاقتصاد الوطني.
وتشمل منظومة الدعم الموجهة للفلاحين عدة محاور رئيسية، من أبرزها: تحديد سعر ضمان مجزٍ للقنطار الواحد يحمي المزارع من تقلبات الأسواق العالمية، وصرف مستحقات الفلاحين خلال مواسم الحصاد دون تأخير، إلى جانب توفير التقاوي المعتمدة عالية الجودة بأسعار مدعومة، وتقديم الإرشاد الزراعي المتخصص لرفع إنتاجية الفدان.
كما تعمل الدولة على تطوير منظومة الحلج والتداول لضمان الحفاظ على جودة المحصول من لحظة الحصاد حتى وصوله إلى المصانع.
قطاع الغزل والنسيج.
قاطرة التنمية الصناعية.
يمثل قطاع الغزل والنسيج أحد أعرق القطاعات الصناعية في مصر وأكثرها تشغيلاً للعمالة، حيث يستوعب مئات الآلاف من العاملين بشكل مباشر، وأضعافهم في الصناعات المغذية والخدمات المرتبطة.
وقد شهد القطاع في السنوات الأخيرة جهوداً حكومية مكثفة لتحديث المصانع التابعة للدولة، وتطوير خطوط الإنتاج بأحدث الماكينات العالمية، ورفع كفاءة الكوادر الفنية العاملة بها.
ويرى خبراء الاقتصاد أن كل طن قطن يتم تصنيعه محلياً بدلاً من تصديره خاماً يضاعف قيمته التصديرية عدة مرات، كما يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويقلل الحاجة إلى استيراد الملابس الجاهزة التي تستنزف العملة الصعبة.
وتنعكس هذه السياسة إيجاباً على الميزان التجاري المصري، حيث تمثل الواردات من المنسوجات والملابس أحد أكبر بنود الاستيراد سنوياً.
التحديات الراهنة وسبل التغلب عليها
رغم الطموحات الكبيرة، يواجه قطاع القطن المصري تحديات عدة أبرزها المنافسة الشرسة من الأقطان قصيرة التيلة منخفضة السعر، والتغيرات المناخية التي تؤثر على الإنتاجية، وحاجة المصانع إلى تحديث مستمر لمواكبة التقنيات الحديثة.
وللتغلب على هذه التحديات، لا بد من تكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين، مع التركيز على البحث العلمي لتطوير أصناف جديدة عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض، وتوسيع أسواق التصدير في أفريقيا وآسيا.
رؤية مستقبلية
تتطلع الاستراتيجية المقترحة إلى تحويل مصر من مصدّر للقطن الخام إلى مركز عالمي لصناعة المنسوجات عالية الجودة، بما يعيد للذهب الأبيض بريقه التاريخي ويعظم قيمته الاقتصادية.
ويبقى التصنيع المحلي هو المفتاح الحقيقي لتحقيق هذه المعادلة الرابحة، التي يجني ثمارها الفلاح والصناعة والاقتصاد الوطني بأكمله.

التعليقات