في خضم أجواء التوتر والقلق التي تخيّم على المشهد العربي، تلقّى الدكتور يوسف العميري، رئيس الاتحاد العربي لوسائل الإعلام ورئيس جمعية “خليجيون في حب مصر”، دعوة كريمة من الأخ عبدالرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، للمشاركة في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي الذي استضافته تونس.
وقد مثّلت هذه الدعوة، بحسب العميري، فرصة استثنائية للخروج من دائرة الأخبار الثقيلة إلى فضاء يجمع العرب حول الإعلام والفن والثقافة والتواصل.
يقول العميري إن الوصول إلى تونس الخضراء كشف له مشهداً مختلفاً تماماً عن أجواء القلق السائدة؛ فبدلاً من طاولات الأزمات والمؤتمرات التي تبحث عن مخرج من الحروب، وجد العرب مجتمعين حول الإذاعة والتلفزيون والإبداع والإنتاج الإعلامي، وهو اجتماع يحمل في ذاته دلالة عميقة.
تجربة تترك أثرها من اللحظة الأولى
ورغم مشاركته على مدار سنوات طويلة في مهرجانات وملتقيات عربية عديدة التقى خلالها شخصيات من مختلف أرجاء الوطن العربي، يؤكد العميري أنه لم يشهد كثيراً من التجارب التي تترك انطباعاً منذ اللحظة الأولى كما فعل مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي في دورته السادسة والعشرين.
ويصف المشهد قائلاً: “منذ أن تطأ قدمك أرض المطار تشعر بالترحاب، فهناك من ينتظرك ويعرف احتياجاتك ويتابع تفاصيل رحلتك وحرص على أن تصل إلى الفندق في أيسر صورة ممكنة.
فريق كامل من الشباب والشابات يعمل بهدوء ودون ضجيج، وكل شخص يعرف مهمته، ويتعامل مع الضيف باعتباره مسؤولية يجب أداؤها على أكمل وجه، وهنا تكمن قيمة التنظيم الحقيقي”.
ويشدّد على أن التنظيم لا يُقاس بفخامة القاعات ولا بكثرة اللافتات ولا بطول الكلمات في حفلات الافتتاح، بل في قدرة الضيف على الشعور بأن هناك من يفكّر في راحته قبل أن يطلب، وأن يجد الإجابة قبل أن يضطر لطرح السؤال.
تحية لمن يعملون بعيداً عن الأضواء
ويوجّه العميري تحية خاصة لكل من أسهم في إنجاح المهرجان، من المدير العام إلى أصغر فرد في فريق العمل، مروراً بالمرافقين والسائقين، مؤكداً أن من الإنصاف تذكّر أولئك الذين لا تظهر أسماؤهم في الصور ولا تصعد أصواتهم إلى الميكروفونات، بينما هم في الحقيقة صنّاع نجاح أي مهرجان.
أهم من توزيع الجوائز.
لقاء العرب وجهاً لوجه.
ويرى العميري أن مهرجان الإذاعة والتلفزيون العربي لا ينبغي النظر إليه كمناسبة لتوزيع الجوائز أو عرض الأعمال الإعلامية والفنية فقط، بل تكمن أهميته الحقيقية في فكرة أكبر: أن يلتقي العرب وجهاً لوجه.
ويوضح أنه في زمن اختصرت فيه منصات التواصل الاجتماعي المسافات لكنها زادت في كثير من الأحيان سوء الفهم، تظل اللقاءات المباشرة أكثر قدرة على بناء جسور حقيقية بين الإعلاميين والفنانين والمؤسسات والشخصيات العربية.
ويلفت إلى أن الحاجة قائمة لأن يتحدث العرب معاً لا عن بعضهم البعض، وأن يلتقوا بعيداً عن الشاشات ليكتشفوا بينهم مساحات واسعة من الاتفاق والمصالح المشتركة، مؤكداً أن الثقافة والإعلام والفن يمكن أن تكون جسوراً عندما تعجز السياسة عن أداء هذه المهمة.
توقيت يحمل معنى إضافياً
ويشير العميري إلى أن إقامة مثل هذه المهرجانات في هذا التوقيت تحديداً تحمل دلالة إضافية، فالمنطقة العربية لا تحتاج فقط إلى اجتماعات تبحث في الأزمات، بل تحتاج أيضاً إلى مساحات للحياة الطبيعية والإبداع والتواصل ورؤية الوجه الآخر لهذه الأمة.
ويرى أن تونس كانت المكان المثالي لهذا اللقاء؛ فهي التي تستقبل ضيوفها بروحها وتفتح أبوابها للفن والثقافة والإعلام، وتؤكد أن العالم العربي، رغم كل ما يمر به، لا يزال قادراً على صناعة لحظات جميلة تجمع أبناءه من المحيط إلى الخليج.
شكر من القلب
ويتوجه العميري بالشكر من القلب إلى عبدالرحيم سليمان المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية على الدعوة الكريمة والرعاية التي لمسها في كل التفاصيل، وعلى الجهد الكبير الذي بذلته فرق الاتحاد لإنجاح الحدث، ممتدحاً كل من وقف خلف المهرجان وكل شاب وفتاة شاركوا في التنظيم والاستقبال والمرافقة.
كما توجه بالشكر إلى رجل الأعمال محمد سليم حفيظ الذي استضاف الحاضرين بكرم أصيل وأحاطهم برعايته واهتمامه، واصفاً حضوره بأنه امتداد لروح عربية جميلة تجعل للضيف مكانة خاصة.
تونس.
حيث اجتمع العرب مرة أخرى.
ويختم العميري بقوله إن أيام المهرجان قد تنتهي وتغادر الوفود، لكن ما يبقى هو تلك المساحة التي صنعها اللقاء.
ويلخّص التجربة بعبارة مؤثرة: “ربما كانت الصواريخ والمسيرات والتوتر عنوان ما قبل السفر إلى تونس، لكننا عدنا بعنوان آخر: أن العرب، مهما اختلفت الظروف، ما زالوا قادرين على الاجتماع حول الكلمة والصورة والفن والإعلام”.
في زمن كثُرت فيه المسافات بين العرب، كانت تونس هذه المرة المكان الذي جمعهم من جديد.
شكراً تونس، وشكراً اتحاد إذاعات الدول العربية، وشكراً لكل يد صنعت هذا المهرجان.

التعليقات