التخطي إلى المحتوى

مقدمة: سؤال الحلف الذي لم تحسمه القاهرة

مع تصاعد الحديث عن «تحالف مكة» الجديد في المنطقة، برز سؤال ملحّ: لماذا لم تنضم مصر إليه حتى الآن؟ ويرى الدبلوماسي المصري السابق السفير أيمن زين الدين، نائب مساعد وزير الخارجية المصري السابق، أن الإجابة لا تتعلق بالتردد أو الغموض، بل ترتبط بـحسابات استراتيجية معقدة تحكمها قواعد راسخة في السياسة الخارجية المصرية.

الحذر من التورط العسكري: قاعدة ثابتة في الإرث المصري

في حديثه عبر بودكاست «الحل إيه؟»، وضع زين الدين الحذر من التورط في تحالفات عسكرية في مقدمة هذه الحسابات، مشيرًا إلى أن أي التزام من هذا النوع قد يمسّ توازنات مصر الإقليمية.

ويؤكد أن السياسة المصرية اتسمت عبر تاريخها بالحساب الدقيق قبل الدخول في تحركات عسكرية كبرى، وهو نهج صار أقرب إلى عقيدة عمل ثابتة.

ويستند الدبلوماسي السابق إلى شاهد تاريخي دال: فآخر مشاركة عسكرية مصرية واسعة خارج حدودها كانت في حرب تحرير الكويت عام 1991، أي قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وخلال هذه الفترة الطويلة ظل الحذر حاضرًا في القرارات الإقليمية المصرية، حتى حين كانت المشاركة الرمزية أو السياسية ممكنة.

وفي هذا السياق، تُقرأ هذه السياسة على أنها محاولة للحفاظ على هامش المناورة الاستراتيجي وعدم الارتباط بترتيبات أمنية قد تُجرّ القاهرة إلى نزاعات لا تخدم أولوياتها المباشرة.

ما الذي تحرص عليه القاهرة؟

لا ترفض القاهرة فكرة التعاون الإقليمي من حيث المبدأ، بل تبدو منفتحة عليه بصيغ مختلفة.

ويذكّر زين الدين بمشاركة مصر في حوارات إقليمية حول ترتيبات ما بعد الحرب مع إيران، وهي مشاركة تكشف أن الانضمام إلى أي تحالف جديد يخضع لدراسة دقيقة لتداعياته، لا لمنطق المزايدة أو الاندفاع.

ومن أبرز هذه التداعيات:

  • ضبط العلاقة مع إسرائيل: فأي تحالف عسكري جديد قد يُحسب ضد أحد أطرافه، ما يستدعي مراعاة الالتزامات القائمة بموجب معاهدة السلام.
  • إدارة الملف الإيراني: إذ تنظر مصر إلى إيران باعتبارها دولة ذات ثقل ديموغرافي وجغرافي وطموحات ومصالح لن تختفي من المشهد، مؤكدة أن التعامل معها لا يمكن اختزاله في القطيعة أو المواجهة.
  • مراعاة مصالح دول الخليج وأمنها: فأمن الخليج يمثل — وفق الدبلوماسي المصري — مصلحة استراتيجية لمصر، وليس ملفًا يمكن التفاوض عليه.

وتتطلب هذه العوامل من القاهرة صياغة معادلة تُرضي التزاماتها الإقليمية دون أن تُلزمها بقيود عسكرية تتعارض مع تعريفها لمصالحها.

إيران: نقطة توازن لا خط مواجهة

يحتل الملف الإيراني موقعًا مركزيًا في الحسابات المصرية.

فبينما لا تتجاهل القاهرة ما تصفه بتجاوزات إيران أو تحالفاتها مع قوى داخل دول عربية، فإنها لا ترى في سياسة الصدام المفتوح خيارًا يخدم مصالحها بالضرورة.

بل يذهب زين الدين إلى أبعد من ذلك، حين يرى أن بناء قنوات أكثر استقرارًا مع طهران قد يتيح للدبلوماسية المصرية مساحة تحرك أوسع، ويحوّل ملفًا متوترًا إلى فرصة للوساطة والتوظيف السياسي بدلًا من الاستنزاف.

وهذا المنطق نفسه يفسّر لماذا يبدو التعامل المصري مع طهران أقرب إلى الإدارة الدقيقة للتناقضات منها إلى الانحياز الأيديولوجي لطرف ضد آخر.

أمن الخليج وسؤال الحماية الأمريكية

أمن الخليج يمثل مصلحة استراتيجية لمصر، لكن التحولات التي كشفتها الحرب الأخيرة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مدى كفاية الاعتماد على الحماية الأمريكية وحدها.

وقد يدفع هذا الوضع دول المنطقة إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون لا تقوم بالضرورة على تحالفات عسكرية تقليدية.

وهنا تظهر إحدى إشكاليات النقاش السياسي العربي: هل يكفي الحضور الأمريكي وحده لشكل الترتيبات الأمنية الإقليمية، أم أن المرحلة تتطلب ترتيبات متعددة الأقطاب؟ وتجد القاهرة نفسها طرفًا معنيًا بهذا السؤال دون أن تكون مستعجلة على حسمه.

توازن القوى الإقليمي: المحدد الأخير

يشير زين الدين إلى أن توازن القوى الإقليمي بين مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية وإيران يمثل محددًا أساسيًا في الحسابات المصرية، مؤكدًا أن القاهرة لا ترى مصلحتها في اختلال هذا التوازن لصالح أي طرف.

وهذا المنطق يفسّر لماذا تُفضّل مصر ترتيبات مرنة قابلة للتعديل، بدلًا من أحلاف صلبة تُقيّدها وتضعها أمام خيارات ثنائية: إما التورط في مواجهات غير مطلوبة، أو مواجهة تبعات الانسحاب منها.

خلاصة: سياسة قائمة على المصلحة لا على التحيز

ما يُطرح في هذا النقاش ليس موقفًا مترددًا، بل قراءة مختلفة: أن سياسة الصدام أو التباعد ليست بالضرورة الخيار الذي يخدم المصالح المصرية.

ويُقدَّم الانضمام إلى التحالفات، ومنها تحالف مكة، بوصفه قرارًا يحمل كلفة قد تكون مرتفعة، مقابل مكاسب يبقى تقييمها مؤجَّلًا.

فرسائل القاهرة، وفق زين الدين، تبقى واضحة: مشاركة في التعاون الإقليمي بمبدأ، تحفّظ على الالتزامات العسكرية المقيدة، ارتباط بأمن الخليج كمصلحة، وانفتاح محسوب على إيران، ودعم ضمني لتوازن قوى إقليمي لا يختلّ لصالح طرف على حساب آخر.

هذا هو الإطار الذي يجعل مصر — حتى اللحظة — خارج تحالف مكة، لا ضدّه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *