مقدمة: تونس في قلب التحولات الرقمية العالمية
في سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتحول الرقمي، احتضنت تونس ندوة مهنية وفكرية خُصِّص جانب مهم من أشغالها لمناقشة الذكاء الاصطناعي في العمل والتدقيق والحوكمة، والأمن السيبراني والثقة الرقمية، والمهارات المطلوبة ومهن المستقبل.
وقد جمع البرنامج بين التكوين والخبرة المهنية والانفتاح على التجربة الكندية، بإشراف وتأطير السيد حمزة بالومي بصفته منشطًا وميسرًا للقاء، إلى جانب فقرات مخصصة للحوار مع الجمهور وتسليم الشهائد وتثمين المتخرجين.
ولم يكن ترتيب المحاور عابرًا؛ فالانتقال من الذكاء الاصطناعي إلى الأمن، ثم إلى المهارات ومهن المستقبل، يعكس حقيقة أساسية: التحول الرقمي لا يمكن أن يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى إنسان مؤهل، ومؤسسات قادرة على الحوكمة، وإطار قانوني يضمن الثقة ويحمي الحقوق.
أولًا: الذكاء الاصطناعي بين الفرص ومسؤولية الحوكمة
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايدًا من بيئة العمل الحديثة، من تحليل البيانات والتدقيق إلى خدمة الحرفاء وصناعة المحتوى ودعم اتخاذ القرار.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا لا تُقاس بقدرتها على إنتاج إجابة أو تقرير خلال ثوانٍ، وإنما بقدرة المؤسسة على التحقق من النتائج، وحماية البيانات، وتحديد المسؤولية البشرية، وتقييم المخاطر.
ومن هنا تتحول المسألة من مجرد إدخال أداة تقنية جديدة إلى قضية حوكمة ومساءلة.
فالمؤسسة التي تعتمد نظامًا ذكيًا لاتخاذ قرار أو تحليل ملفات لا يمكنها التعامل مع مخرجاته باعتبارها حقيقة غير قابلة للمراجعة؛ فالقرار النهائي، في المجالات التي تمس حقوق الأشخاص أو مصالحهم، يحتاج إلى رقابة بشرية ومنهجيات واضحة للتدقيق والتوثيق.
ويقتضي ذلك بناء ما يعرف بـ«حوكمة البيانات» (Data Governance) داخل المؤسسات، أي وضع سياسات واضحة لمصادر البيانات وجودتها وصلاحيتها ومدة حفظها والجهات المخولة بالوصول إليها.
كما تتزايد أهمية الشفافية الخوارزمية (Algorithmic Transparency)، بمعنى قدرة المؤسسة على شرح كيف اتُّخذ قرار معيّن، وهو ما ينسجم مع مبدأ «القابلية للتفسير» (Explainability) الذي بات معيارًا أساسيًا في الأنظمة الذكية المسؤولة.
وتشمل أفضل الممارسات أيضًا إجراء تقييمات أثر على حماية البيانات (DPIA) قبل إطلاق أي مشروع يعتمد على معالجة واسعة للمعطيات الشخصية.
ثانيًا: الإطار القانوني التونسي وحماية المعطيات الشخصية
تجد مسألة الحوكمة أساسًا مهمًا في المنظومة القانونية التونسية المتعلقة بحماية البيانات.
فقد نص القانون الأساسي عدد 63 لسنة 2004 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية على أن لكل شخص الحق في حماية معطياته الشخصية، وربط معالجة هذه المعطيات بالشفافية والأمانة واحترام كرامة الإنسان، كما وضع قواعد تتعلق بجمع البيانات واستعمالها وحفظها والموافقة عليها.
وتزداد أهمية هذه المبادئ في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن الخوارزميات لا تعمل في فراغ، بل تعتمد على كميات كبيرة من البيانات، وقد يؤدي سوء جمعها أو استعمالها أو تخزينها إلى آثار تتجاوز الجانب التقني لتصل إلى الخصوصية والحقوق والحريات.
وقد عزّزت تونس هذا الإطار بتركيبة مؤسسية تشمل الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية، المكلفة بالسهر على تطبيق القانون ومعالجة التشكيات وإبداء الرأي في المشاريع التي تمس المعطيات الشخصية.
ولا يقتصر التحدي على النص القانوني، بل يمتد إلى ملاءمته مع مستجدات الذكاء الاصطناعي، مثل المعالجة الآلية للبيانات البيومترية، وأنظمة التعرف على الوجوه، والقرارات الآلية التي تمس الأفراد دون تدخل بشري كافٍ.
ثالثًا: الأمن السيبراني والثقة الرقمية
في المجال السيبراني، قطعت تونس خطوة تشريعية مهمة مع المرسوم عدد 17 لسنة 2023 المتعلق بالسلامة السيبرنية، الذي ينظم المجال ويحدد مهام الوكالة الوطنية للسلامة السيبرنية والآليات المتعلقة بضمان سلامة الفضاء السيبرني الوطني.
غير أن وجود الإطار القانوني لا يلغي الحاجة إلى تطوير الممارسة اليومية داخل المؤسسات؛ فالأمن السيبراني لا يبدأ من مركز البيانات فقط، بل يبدأ أيضًا من الموظف والطالب والمواطن، ومن قدرته على التعرف إلى رسائل الاحتيال، وتأمين حساباته، وفهم مخاطر مشاركة البيانات، والتعامل مع الأدوات الرقمية بمسؤولية.
وهنا تتضح أهمية محور «الأمن السيبراني والثقة الرقمية» الذي تناولته الندوة.
فالثقة في الاقتصاد الرقمي لا تُبنى بمجرد رقمنة الخدمات، وإنما عندما يشعر المستخدم أن بياناته محمية، وأن المنصة التي يستعملها آمنة، وأن المؤسسة قادرة على الاستجابة للحوادث، وأن هناك قواعد واضحة للمسؤولية.
ويُترجم ذلك عمليًا إلى مفاهيم أساسية أبرزها استمرارية الأعمال والصمود السيبرني، أي قدرة المؤسسة على مواصلة نشاطها بعد حادثة سيبرنية، عبر خطط التعافي من الكوارث والنسخ الاحتياطي الآمن.
كما أصبحت أمن سلسلة التوريد الرقمية أولوية، لأن اختراق طرف ثالث أو مزود خدمة سحابية قد يفتح الباب لاختراق المؤسسة الأصلية.
وفي هذا السياق، اكتسب مفهوم «انعدام الثقة» (Zero Trust) مكانة متزايدة، وهو نموذج يفترض عدم الثقة بأي مستخدم أو جهاز افتراضيًا، والتحقق المستمر من الهوية وصلاحيات الوصول.
ولمواجهة التهديدات السيبرنية الرقمية، تحتاج المؤسسات إلى مركز عمليات الأمن (SOC) وفِرق استجابة للحوادث، إلى جانب فهم مشترك للتصنيفات الدولية للتهديدات ومدى خطورتها.
وفي اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على البيانات والخدمات الرقمية، يمكن أن يتحول الأمن السيبراني من وظيفة تقنية إلى عنصر أساسي في القدرة التنافسية للمؤسسة والدولة.
رابعًا: المهارات ومهن المستقبل
أما السؤال الأكثر ارتباطًا بالمستقبل فهو: هل يمتلك خريجو اليوم المهارات التي سيحتاجها سوق العمل غدًا؟ المعطيات الدولية تشير إلى حجم التغيير.
فقد خلص تقرير مستقبل الوظائف 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي، استنادًا إلى آراء أكثر من ألف جهة توظيف تمثل أكثر من 14 مليون عامل في 55 اقتصادًا، إلى أن أصحاب العمل يتوقعون تغير 39% من المهارات الأساسية للعاملين بحلول سنة 2030.
كما يبرز التقرير نمو أدوار مرتبطة بالبيانات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتطوير البرمجيات، بالتوازي مع استمرار أهمية المهارات الإنسانية مثل التفكير التحليلي والتعلم المستمر والتعاون.
وهذا الرقم لا يعني أن 39% من الوظائف ستختفي، بل يعني أن جزءًا كبيرًا من المهارات المطلوبة داخل الوظائف نفسها سيتغير.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام تونس ليس فقط خلق وظائف جديدة، بل بناء قدرة وطنية على إعادة تأهيل العاملين والطلبة والباحثين عن الشغل بصورة مستمرة.
فالمعادلة الجديدة لم تعد «شهادة جامعية ثم وظيفة»، وإنما أصبحت أقرب إلى تعلم مستمر، وتخصص قابل للتحديث، وتجربة عملية، ومهارات رقمية، وقدرة على التكيف.
ويُضاف إلى ذلك ما يعرف بـالمهارات القابلة للنقل (Transferable Skills)، أي المهارات التي يمكن استخدامها في أكثر من قطاع ومهنة، مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات المعقدة، والتواصل، والعمل ضمن فريق، والمرونة الذهنية.
كما تكتسب المهارات في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) أهمية خاصة، من كتابة الأوامر وتقييم المخرجات إلى دمج الأدوات الذكية في سير العمل اليومي.
وتُكمل هذه المهاراتَ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وفهم مخاطر التحيز الخوارزمي والمعلومات المضللة.
خامسًا: تجارب تونسية تستحق البناء عليها
توجد في تونس تجارب وطنية تستحق التثمين والتوسيع.
فقد أفاد البنك الدولي، في نتائج منشورة سنة 2026، بأن 22 ألف طالب من التعليم العالي استفادوا من 460 منحة تنافسية هدفت إلى تحسين قابلية التشغيل، وأن أكثر من 4 آلاف طالب حصلوا على شهادات في مهارات قابلة للنقل تشمل تكنولوجيا المعلومات والاتصال واللغات والتواصل، مع تسجيل نسبة رضا عن مستوى المهارات بلغت 92% إجمالًا و94% لدى الطالبات.
هذه النتائج تشير إلى أن الربط بين الجامعة والمهارات التطبيقية ليس خيارًا ثانويًا، بل أحد المسارات التي يمكن توسيعها لتقليص الفجوة بين التكوين واحتياجات سوق العمل.
سادسًا: التجربة الكندية والاتجاه نحو تكوين يربط المعرفة بالممارسة
تطرح التجربة الكندية التي حضرت في خلفية هذا اللقاء فكرة مهمة: التكوين الأكثر فاعلية هو الذي يربط المعرفة بالممارسة.
فالبرامج الحديثة في مجالات التطوير والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني لا تكتفي بتقديم المفاهيم النظرية، وإنما تدمج المشاريع التطبيقية والمهارات التقنية والقدرة على التواصل والعمل الجماعي.
وهذا النموذج يمكن أن يكون أكثر فاعلية عندما يتم تكييفه مع خصوصيات الاقتصاد التونسي واحتياجات المؤسسات المحلية، بدل الاكتفاء بنقل البرامج كما هي.
ويكتسي نموذج التعلم بالتجربة والتدريب التقني والمهني (TVET) دورًا محوريًا في هذا التوجه، خاصة عندما يتكامل مع الشراكة بين الجامعة والمؤسسة عبر الإشراف على تدريب الطلبة داخل بيئة العمل الحقيقية.
سابعًا: نحو تنظيم ذكي للذكاء الاصطناعي
لكن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُترك للتكنولوجيا وحدها.
التجربة الأوروبية تقدم مثالًا واضحًا على الاتجاه العالمي نحو التنظيم؛ فقد دخل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act حيز التنفيذ في 1 أغسطس 2024، واعتمد مقاربة قائمة على المخاطر، مع متطلبات أكثر صرامة للأنظمة المصنفة عالية المخاطر، بما في ذلك إدارة المخاطر وجودة البيانات والمعلومات الواضحة والرقابة البشرية.
ومن الناحية القانونية، تكشف هذه التجربة أن السؤال لم يعد «هل ننظم الذكاء الاصطناعي؟» بل أصبح «كيف ننظمه دون خنق الابتكار، وكيف نحمي الحقوق دون تعطيل التطور التكنولوجي؟».
وقد أضاف قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي حالات جديدة تتراوح بين الاستخدامات الممنوعة مثل التصنيف الاجتماعي وتحليل المشاعر في أماكن العمل والتعليم، والأنظمة عالية المخاطر مثل التصرف في البنية التحتية الحيوية والتشغيل والتعليم، وصولًا إلى الأنظمة محدودة المخاطر التي تقتضي واجبات شفافية، مثل التنبيه إلى أن المستخدم يتفاعل مع آلة أو أن المحتوى مُنشأ اصطناعيًا.
ثامنًا: أفكار قابلة للتطوير في تونس
يمكن لتونس أن تنتقل خلال السنوات القادمة من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاج المعرفة والسياسات والحلول.
ومن الأفكار القابلة للتطوير:.
- إنشاء مرصد وطني لمهارات المستقبل يرصد سنويًا احتياجات المؤسسات ويقارنها بمخرجات الجامعات ومراكز التكوين.
- إطلاق مختبرات تطبيقية تجمع الطلبة والباحثين والمؤسسات للعمل على مشكلات حقيقية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
- إدراج مبادئ السلامة الرقمية وحماية البيانات والتفكير النقدي في المناهج التعليمية منذ مراحل مبكرة.
- تطوير برامج إعادة تأهيل للموظفين والعاملين الذين ستتغير طبيعة وظائفهم بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي.
- إرساء شهادات مهنية وطنية متجددة في مجالات الذكاء الاصطناعي التطبيقي، التدقيق الرقمي، حماية البيانات، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، الحوسبة السحابية والحوكمة الرقمية، بحيث لا تكون الشهادة مجرد وثيقة، بل دليلًا على امتلاك مهارات قابلة للقياس.
- الشراكة المباشرة مع المؤسسات الاقتصادية في تحديد هذه المهارات، عبر تدريب الطلبة داخل بيئة العمل وتوفير مشاريع حقيقية وفرص للتعلم بالتجربة.
ويمكن لهذه الشهادات أن تكون متوافقة مع المعايير الدولية وأطر الجودة في هندسة وتدقيق أنظمة المعلومات، وأن تخضع لآليات تحيين دوري لمواكبة التغير السريع في الأدوات والمنصات.
تاسعًا: سؤال أوسع من المهارات
إذا كانت الندوة قد ناقشت المهارات المطلوبة ومهن الغد، فإن المستقبل يتطلب توسيع هذا السؤال ليصبح: ما المهارات التي تحتاجها تونس حتى لا تكون مجرد سوق للتكنولوجيا، بل طرفًا قادرًا على تطويرها وتوظيفها لخدمة اقتصادها ومجتمعها؟ هنا تظهر أهمية دعم الشباب والنساء وأصحاب المشاريع والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، لأن التحول الرقمي لا ينبغي أن يبقى محصورًا في الشركات الكبرى أو المختصين في الإعلامية.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم الفلاحة، والصناعة، والسياحة، والصحة، والتعليم، والبيئة، والاقتصاد الاجتماعي، والإدارة، وحتى المشاريع الحرفية والصغيرة، إذا تم تطوير حلول مناسبة لحاجات كل قطاع.
خاتمة: المعركة ليست بين الإنسان والآلة
في المحصلة، تكشف هذه الندوة أن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة، وإنما بين منظومة مستعدة للتغيير ومنظومة تكتفي بمراقبته.
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لرفع الإنتاجية وتحسين الخدمات وخلق فرص جديدة، لكنه يحتاج إلى حوكمة؛ والأمن السيبراني يمكن أن يحمي الاقتصاد الرقمي، لكنه يحتاج إلى ثقافة ومهارات؛ والقوانين يمكن أن تحمي الحقوق، لكنها تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيقها؛ والشهادات يمكن أن تفتح أبواب العمل، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تقترن بمهارات وتجربة عملية.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لأي منتدى من هذا النوع لا تكمن فقط في الجلسات التي تُعقد أو الشهائد التي تُسلّم، وإنما في ما يمكن أن يتحول بعده إلى برامج، وشراكات، ومشاريع، وتكوينات، وسياسات قابلة للقياس.
فالمستقبل الرقمي لتونس لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل سيصنعه الإنسان التونسي عندما يمتلك المعرفة والأدوات والقدرة على الابتكار، في إطار قانوني يحمي الحقوق، ومؤسسات تؤمن بالتعلم المستمر، واقتصاد قادر على تحويل المهارات إلى قيمة وفرص عمل وتنمية مستدامة.

التعليقات