تحالف الوجود: خصوم الحرب الأهلية يدفنون أحقادهم خلف أسوار أديس أبابا
في تطور عسكري وسياسي غير مسبوق قلب موازين القوى في منطقة القرن الأفريقي، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تأسيس تكتل ميداني موحد يحمل اسم «تحالف القوات الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء».
ولم يكن هذا التحالف مجرد منصة للضغط السياسي أو التفاوض، بل صاغت وثيسته التأسيسية بلهجة تصعيدية واضحة، واصفة هدفها بـ«تذكرة اتجاه واحد» لا رجعة فيها، غايتها الإطاحة بنظام رئيس الوزراء آبي أحمد وتأسيس إدارة انتقالية شاملة تعيد رسم ملامح الدولة الإثيوبية.
المفاجأة: تيغراي وفانو في خندق واحد
المفارقة الكبرى في هذا المشهد لا تكمن في عدد البنادق أو حجم القوة البشرية، بل في هوية الأطراف الموقعة.
فالتحالف الجديد يجمع بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» وميليشيات «فانو» الأمهرية، وهما طرفان خاضا حربًا طاحنة بين عامي 2020 و2022 أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، قبل أن يقررا اليوم دفن خلافاتهما التاريخية بشكل مؤقت والالتفات إلى ما وصفوه بـ«الخطر المشترك» المتمثل في حكومة أديس أبابا.
من هم أطراف التحالف السبع؟
يضم التكتل الجديد طيفًا واسعًا من الفصائل المسلحة والحركات السياسية الإثيوبية، من أبرزها:
- جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF): القوة العسكرية الأكثر تنظيمًا وخبرة، والتي خاضت حربًا مفتوحة ضد الحكومة الاتحادية بين 2020 و2022 قبل توقيع اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر 2022.
- ميليشيات فانو الأمهرية: قوات غير نظامية انتشرت في إقليم أمهرة، وتخوض منذ عام 2023 مواجهات متصاعدة مع الجيش الإثيوبي على خلفية مطالب تتعلق بالأراضي والأمن الإقليمي.
- جبهة تحرير أورومو (OLA): فصيل مسلح ينشط في إقليم أوروميا، أكبر الأقاليم الإثيوبية سكانيًا، ويقود منذ سنوات تمردًا ضد السلطة المركزية.
- حركات أخرى: فصائل من إقليمي بني شنقول-قومز والصومالي، إضافة إلى تنظيمات سياسية معارضة تعمل من الخارج.
لماذا الآن؟ التوقيت الاستراتيجي للتحالف
يتزامن الإعلان عن هذا التحالف مع جملة من التحولات العميقة التي تمر بها إثيوبيا:
- تراجع شرعية حكومة آبي أحمد داخليًا: اتساع رقعة النزاعات المسلحة في أمهرة وأوروميا خلق حالة من الإنهاك العسكري والاقتصادي.
- الأزمة الاقتصادية الخانقة: تضخم متسارع، ونقص حاد في العملة الصعبة، وتعثر برنامج الإصلاحات بعد تحرير سعر الصرف، ما فاقم الغضب الشعبي.
- الانقسام حول ميناء البحر الأحمر: مطالبة أديس أبابا بمنفذ بحري سيادي أثار توترًا مع إريتريا وجيبوتي والصومال، ودفع دول المنطقة إلى إعادة ترتيب تحالفاتها.
- تغير البيئة الإقليمية: تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة الإثيوبية بعد حرب غزة وأوكرانيا، ما منح الفصائل المسلحة هامشًا أكبر للتحرك.
التحديات التي تواجه «تحالف الوجود»
رغم وقع الإعلان، يواجه التحالف جملة من العقبات الجوهرية:
- غياب الثقة المتبادلة: الجروح العميقة الناجمة عن حرب تيغراي-أمهرة تجعل التنسيق الميداني الشامل أمرًا بالغ التعقيد.
- تفاوت القدرات العسكرية: لكل فصيل أولوياته الجغرافية وأجندته المحلية، ما قد يفتت الجهد العسكري الموحد.
- غياب قيادة موحدة: لم يُعلن حتى الآن عن هيكل قيادي واضح أو آلية اتخاذ قرار مشتركة.
- الضغط الدبلوماسي: قد تتعرض الأطراف لضغوط دولية وإقليمية لتفكيك التحالف أو تعديل أهدافه.
الانعكاسات على القرن الأفريقي
تشكيل هذا التكتل يعيد رسم خرائط النفوذ في منطقة حساسة للغاية.
فإثيوبيا، ثاني أكبر دولة سكانًا في أفريقيا ومقر الاتحاد الأفريقي، تجد نفسها أمام مشهد قد يتحول إلى حرب متعددة الجبهات.
وفي حال تصاعدت المواجهات، فإن التداعيات لن تتوقف عند الحدود الإثيوبية، بل ستمتد إلى دول الجوار كالسودان الذي يشهد بدوره نزاعًا داخليًا، والصومال، وجيبوتي، وإريتريا.
في المحصلة، يبقى السؤال الأهم: هل يمثل «تحالف الوجود» نقطة بداية لانقلاب كامل في ميزان القوى الإثيوبي، أم مجرد فصل جديد من فصول صراع طويل سيبقى فيه المواطن الإثيوبي أول الضحايا وآخر المستفيدين؟

التعليقات