شهدت فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية.
جذور راسخة ورؤية متجددة»، الذي تنظمه مكتبة الإسكندرية، جلسة نقاشية حملت عنوان «خطاب تيارات الإسلام السياسي إعلاميا وسياسيا تجاه الهوية المصرية»، شارك فيها نخبة من القيادات الدينية والإعلامية والفكرية، إلى جانب عدد من الوزراء السابقين والخبراء المتخصصين في شئون التيارات الدينية.
حضر الجلسة الدكتور نظير عياد، مفتي جمهورية مصر العربية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والدكتور أحمد نبوي، أمين عام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ممثلًا عن الدكتور أسامة الأزهري وزير الأوقاف، والسفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات.
وقد ترأس الجلسة الكاتب والمفكر حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، وتحدث فيها كل من: الدكتور أسامة هيكل وزير الإعلام الأسبق، وأحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، والدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة الأسبق ورئيس برنامج الدراسات التاريخية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، والنائب الدكتور عمرو الورداني رئيس لجنة الشئون الدينية والأوقاف بمجلس النواب، والدكتور ثروت الخرباوي الخبير في شئون الإسلام السياسي.
عياد: الهوية الوطنية منظومة متداخلة وحرب المفاهيم أخطر التحديات
أوضح الدكتور نظير عياد أن الهوية الوطنية تتشكل من مجموعة عناصر متداخلة، يأتي في مقدمتها الوطن والتاريخ واللغة والدين والحضارة، إلى جانب التنوع الفكري والتعددية الدينية والأعراف والعادات والتقاليد.
وشدد على ضرورة استعادة «السردية المصرية» الأصيلة، ومواجهة ما وصفه بحرب المفاهيم المغلوطة، معتبرًا إياها من أخطر التحديات التي تهدد استمرارية الهوية الوطنية وقدرتها على النمو.
وأشار عياد إلى أهمية التأصيل التاريخي للتيارات الفكرية، لفهم مصادرها وتحولاتها ومدى تأثيرها في المجتمع، لافتًا إلى أن بعض هذه التيارات لم تنشأ في البيئة المصرية، بل تأثرت بروافد فكرية وافدة من بيئات أخرى، فضلًا عن تحديات الغلو والتطرف وسوء التعامل مع النصوص الدينية بعيدًا عن سياقاتها الصحيحة.
كما أكد أن دراسة ظاهرة الإسلام السياسي لا يمكن أن تتم من زاوية واحدة، داعيًا إلى مقاربتها من جوانب دينية وإعلامية وسياسية واجتماعية وفكرية، مع الالتزام الكامل بالموضوعية والحياد، وعدم الحكم على الإسلام ذاته من خلال ممارسات بعض المنتسبين إليه.
علاء يوسف: الهوية المصرية قادرة على استيعاب كل الروافد الحضارية
من جانبه، أكد السفير علاء يوسف أن الهوية المصرية تنفرد بخصوصية جوهرية تتمثل في قدرتها على استيعاب مختلف الروافد الحضارية التي مرت على مصر عبر تاريخها الطويل، مشيرًا إلى أن بعض التيارات سعت إلى طمس هذه الخصوصية وإعادة وضع الهوية المصرية داخل إطار أيديولوجي مغلق.
وأضاف أن حروب الجيلين الرابع والخامس تفرض ضرورة تقديم رسالة مجتمعية واضحة تؤكد أن الهوية المصرية هوية جامعة تستطيع احتواء مختلف مكونات المجتمع، مشددًا على أهمية الاهتمام بالشباب وفتح مساحات حوار معهم عبر لقاءات منتظمة تناقش قضايا الهوية والانتماء والتحديات الراهنة.
المسلماني: خطاب التكفير وتغذية الفضاء الرقمي بالمضامين المتشددة
وقال أحمد المسلماني إن خطاب تيارات الإسلام السياسي يقوم في جانب منه على تقسيم العالم إلى ثنائيات متعارضة، بما يفضي في النهاية إلى أفكار تضعف الدولة.
وحذر من أن خطاب التكفير لا يتوقف عند حدود معينة، ومن خطر انتشار الأفكار المتطرفة عبر الفضاء الرقمي، وما قد يترتب على ذلك من تغذية المنصات ومحركات البحث بمضامين فكرية متشددة.
عبد الواحد النبوي: خلافنا مع هذه التيارات ديني وفكري لا سياسي
أكد الدكتور عبد الواحد النبوي أن تيارات الإسلام السياسي تتعدد في توجهاتها، لكنها التقت منذ بداياتها حول التشكيك في المرجعيات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، في مسعى يهدف إلى إبعاد الناس عن المؤسسة الدينية الرسمية وفهمها للدين.
وأوضح أن الخلاف مع هذه التيارات ليس سياسيًا، بل هو خلاف ديني وفكري في جوهره.
وشدد النبوي على خصوصية التجربة الإسلامية المصرية، مشيرًا إلى الإسهامات البارزة التي قدمتها مصر في الفقه والتفسير والحديث، بما يؤكد وجود ملامح مميزة للفهم الديني المصري.
النمنم: هذه التيارات لا تؤمن بفكرة الوطن بالمعنى الحديث
وأكد حلمي النمنم أن الحديث عن أفكار تيارات الإسلام السياسي تجاه الهوية الوطنية يكشف عن اختلاف جوهري في رؤيتها لمفهوم الوطن، فهي لا تؤمن بفكرة الوطن بالمعنى المرتبط بالدولة الوطنية الحديثة.
وأشار إلى أن المصريين حافظوا على هويتهم رغم كل التحولات التي شهدتها البلاد على مر العقود.
الخرباوي: ثورة 1919 أيقظت الوعي بالهوية وقلقت الاحتلال البريطاني
وقال الدكتور ثروت الخرباوي إن هناك خلطًا واضحًا بين مفهوم الوطن ومفهوم الهوية، موضحًا أن ثورة 1919 أسهمت في إيقاظ الإحساس بالهوية والشعور الوطني، وهو ما أثار قلق الاحتلال البريطاني ودفعه إلى البحث عن وسائل لإضعاف هذا الوعي.
وأضاف أن الحركات المرتبطة بالإسلام السياسي ظهرت في هذا السياق، وأن مفهوم الحدود الوطنية لدى تلك التيارات ارتبط بمحددات عقائدية في الأساس.
الورداني: اختزال الهوية وقضية تمس الأمن الفكري والمجتمعي
وتناول النائب الدكتور عمرو الورداني تعامل التيارات الدينية المتطرفة وتيارات الإسلام السياسي مع مفهوم الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن خطاب تلك التيارات يقوم على اختزال الهوية المصرية ومحاولة إعادة صياغتها وفق إطار أيديولوجي محدد.
وأكد ضرورة التعامل مع محاولات هدم الهوية المصرية والتعدي عليها باعتبارها قضية تمس الأمن الفكري والمجتمعي بالدرجة الأولى.
وعاد الدكتور عبد الواحد النبوي ليؤكد الحاجة إلى تأصيل مصطلح الهوية وما يرتبط به من مفردات ومفاهيم على يد المتخصصين، بما يتيح وضع إطار واضح ورسمي للتعامل مع هذه القضية.
وأشار إلى أن التاريخ المصري لم يشهد تعارضًا بين الدين والوطنية على امتداد تاريخه، موضحًا أن هذا النوع من الخلاف لم يظهر إلا في منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأت هذه المفاهيم تُوظَّف في المجال السياسي.
هيكل: التنوع الحضاري يحصّن المجتمع المصري من الاختراق
وأشار الدكتور أسامة هيكل إلى أن الهوية الوطنية المصرية تضم مكونًا مصريًا قديمًا يحظى باهتمام وفخر كبيرين على مستوى العالم، إلى جانب روافد ومكونات أخرى أسهمت في تشكيل الشخصية المصرية عبر التاريخ.
وأكد أن هذا التنوع الحضاري يجعل من الصعب اختراق المجتمع المصري أو التأثير في هويته، لافتًا إلى أن بعض التيارات عملت على تنمية الفكر المتطرف سعيًا للتأثير في بنية المجتمع.

التعليقات