حازم قشوع يقدّم كتابه الجديد لرئيس الديوان الملكي الهاشمي
في لقاء خاص جمع البرلماني والوزير الأسبق والمفكر السياسي الدكتور حازم قشوع برئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف العيسوي، قدّم قشوع نسخة مهداة من كتابه الجديد «هندسة الطاولة السياسية»، الذي يمثل الإصدار السادس والعشرين في مسيرته التأليفية والفكرية.
ويعالج الكتاب التحولات السياسية والاستراتيجية التي يشهدها العالم والمنطقة، مركزاً على انتقال موازين القوة من الميدان إلى طاولة السياسة وصناعة القرار.
مضمون الكتاب: من هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة
يقع الكتاب في نحو 260 صفحة من القطع المتوسط، ويطرح رؤية فكرية مفادها أن الحروب تعيد توزيع القوة، لكنها لا تبني وحدها النظام الذي يليها.
فاللحظة الأهم تبدأ عندما تنتقل نتائج الميدان إلى طاولة السياسة، حيث يعاد ترتيب المصالح والمواقع والأدوار والقواعد والضمانات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
ومن هنا جاءت فكرة «هندسة الطاولة السياسية»، التي لا تنظر إلى الطاولة باعتبارها مجرد مكان للاجتماع والتفاوض، بل باعتبارها صورة مصغّرة للنظام السياسي نفسه: من يجلس حولها؟ ومن يحدد قواعدها؟ وكيف تتوزع المقاعد والأدوار؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في اتجاه القرار؟
مفهوم القوة في العالم المعاصر
يبحث الكتاب في التحول الجذري الذي طرأ على مفهوم القوة، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها معيار التأثير، بل أصبحت منظومة مركبة تشمل:
- الاقتصاد والطاقة
- الجغرافيا والتكنولوجيا
- المعرفة ورأس المال البشري
- الدبلوماسية والمؤسسات
كما يتناول تغيّر وظيفة الجغرافيا، إذ أصبحت الموانئ والممرات التجارية وشبكات الطاقة وسلاسل الإمداد والاتصالات والتكنولوجيا عناصر أساسية في صناعة النفوذ والقرار.
قراءة في التحولات الدولية والإقليمية
يرصد قشوع التحولات الجارية في النظام الدولي والإقليمي، مع استمرار الولايات المتحدة قوة رئيسية في الأمن والسياسة، واتساع الحضور الاقتصادي والتكنولوجي للصين، واستمرار الوزن الاقتصادي والسياسي لأوروبا، إلى جانب سعي القوى الإقليمية إلى توسيع خياراتها وشراكاتها.
ويرى أن هذه البيئة المتعددة في مراكز القوة تجعل إدارة التوازنات والشراكات جزءاً من القوة السياسية ذاتها، وتفرض على الدول الانتقال من التعامل مع الأحداث إلى المشاركة في هندسة مخرجاتها.
السيادة في صورتها الجديدة
يتوقف الكتاب عند مفهوم السيادة بمفهومها الحديث، مع دخول المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد والتكنولوجيا في صلب القرار الوطني.
فلم تعد حماية الدولة مرتبطة بالحدود وحدها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة وإدارة مواردها وشراكاتها وسلاسل إمدادها ومصالحها الاستراتيجية.
القضية الفلسطينية في صلب النظام الإقليمي
تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في الكتاب باعتبارها أحد أهم محددات أي نظام إقليمي جديد.
ويؤكد قشوع أن الترتيبات الأمنية والاقتصادية لا يمكن أن تكون بديلاً عن التسوية السياسية، وأن إعادة الإعمار لا يمكن أن تحل محل الحقوق.
كما يشدّد على أن أي نظام إقليمي قابل للاستمرار يحتاج إلى أساس سياسي وقانوني يعالج أصل الصراع، ويحفظ الحقوق الفلسطينية، ويضع القدس والقضية الفلسطينية في صلب أي ترتيبات مستقبلية.
الأردن الوازن ودور «أردن الرسالة»
يضع قشوع الأردن ودوره البناء في قلب هندسة المشهد الإقليمي، انطلاقاً من أن الأردن لا يُقرأ بحجمه الجغرافي وموارده الطبيعية فقط، بل بموقعه الاستراتيجي بين الخليج والعراق وبلاد الشام وفلسطين، وبما يمتلكه من استقرار ورأس مال بشري وعلاقات عربية ودولية ودور تاريخي في القدس.
وينسجم هذا الطرح مع ما نشره قشوع أخيراً حول أن الأردن جزء أساسي من منظومة الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد جغرافيا مجاورة، خصوصاً في الملفات المتصلة بفلسطين والقدس وأمن المشرق العربي.
وفي هذا السياق يطرح الكتاب مفهوم «الدولة الوازنة»؛ وهي الدولة التي لا تحتاج إلى أن تكون الأكبر حتى تكون مؤثرة، بل تحتاج إلى معرفة عناصر قوتها وتحويلها إلى وظائف ومصالح وشراكات وقدرة على التأثير.
ومن هنا يأتي مفهوم «أردن الرسالة» كتصور للدور الأردني: أردن يصل ولا يفصل، يوازن ولا يستقطب، ويشارك في صناعة الحلول ولا ينتظر نتائجها، ويحوّل موقعه واستقراره ورأس ماله البشري وعلاقاته إلى قيمة سياسية وإقليمية.
القيادة الأردنية وتحويل الجغرافيا إلى دور
يربط قشوع هذا الدور بالمسار الذي يقوده الملك عبدالله الثاني في التعامل مع التحولات الإقليمية، وبالحضور الأردني في قضايا الأمن والاستقرار والقدس وفلسطين، وبالسعي إلى إبقاء الأردن حاضراً على طاولات الحوار وصناعة القرار.
وفي هذا الإطار، تصبح وظيفة المكان الأردني من العقبة إلى عمّان جزءاً من وظيفة سياسية أوسع؛ إذ يرى قشوع أن العقبة نفسها انتقلت من كونها موقعاً جغرافياً واقتصادياً إلى مساحة للحوار والتقاء الدول والقوى حول ملفات الأمن والاستقرار، بما يعكس فكرة تحويل الجغرافيا إلى دور.
الإهداء ودلالته
جاء إهداء الكتاب إلى الملك عبدالله الثاني وإلى ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني تعبيراً عن هذا المحور الأردني، وعن المكانة التي يمنحها قشوع لدور القيادة الأردنية في صياغة موقع الأردن داخل التحولات الإقليمية والدولية.
وقد جرى تسليم النسخ المخصصة للإهداء عبر رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف العيسوي، الذي يشكل الديوان الملكي — بحسب موقعه الرسمي — حلقة الوصل بين الملك ومؤسسات الدولة والمواطنين، ويتولى متابعة النشاطات والمبادرات الملكية السياسية والاقتصادية والتنموية.
ويأتي حضور ولي العهد في هذا الإهداء ضمن الرؤية التي يتناولها الكتاب للمستقبل، باعتبار أن «هندسة الطاولة السياسية» لا تتعلق فقط بقراءة اللحظة الراهنة، بل بقراءة الاتجاهات التي ستصنع النظام القادم، والأدوار التي ستتطلبها الدولة الأردنية في المرحلة المقبلة.
خلاصة الكتاب
يختصر الكتاب فلسفته الأساسية بعبارتين: «الحروب ترسم.
والطاولة تقرر»، و«من هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة»؛ في إشارة إلى أن الميدان يرسم حدود القوة والوقائع، لكن السياسة هي التي تعيد ترتيب هذه الوقائع فوق الطاولة، وتحدد المواقع والمصالح والقواعد والاتجاهات التي ستصنع شكل المرحلة المقبلة.
وبذلك يأتي «هندسة الطاولة السياسية» امتداداً لمسيرة الدكتور حازم قشوع في الكتابة والتأليف، ومحاولة لقراءة المرحلة المقبلة من زاوية تتجاوز وصف الأحداث إلى فهم كيفية صناعة النظام الذي سيأتي بعدها، مع وضع الأردن ودوره البناء في قلب هذه القراءة.
«الحروب ترسم.
والطاولة تقرر»، ومن هندسة الميدان إلى هندسة الطاولة تبدأ صناعة النظام الجديد..

التعليقات