التخطي إلى المحتوى

مرّت 43 عامًا على رحيل المطربة الكبيرة فايزة أحمد، لكن العقود الطويلة لم تستطع أن تطفئ وهج صوتها الفريد، أو تنتزع صورتها من ذاكرة الجمهور.

فما زالت «كروان الشرق» حاضرة بيننا، تطل علينا من جديد كلما عثر رواد مواقع التواصل الاجتماعي على صورة نادرة لها أو مقطع غنائي يعيد إلى الذاكرة زمنًا كانت فيه الكلمة واللحن والصوت «ثلاثية تصنع السحر».

مسيرة فنية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود

وُلدت فايزة أحمد في 5 ديسمبر 1930 في مدينة صيدا بلبنان لأب سوري وأم لبنانية، ثم انتقلت مع أسرتها إلى دمشق حيث تفتحت موهبتها الغنائية في سن مبكرة.

بدأت مسيرتها الفنية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وشاركت في برنامج «الهواة» الذي كان يقدمه الفنان شادي الجندي، قبل أن تنتقل إلى القاهرة في الخمسينيات لتبدأ فصلًا جديدًا في تاريخ الأغنية العربية.

تمتلك فايزة رصيدًا فنيًا غنيًا يتجاوز 250 أغنية، إضافة إلى عشرات القصائد والموشحات والأغاني الوطنية والدينية.

وكانت تدرك ببراعة كيف تجعل الأغنية تتجاوز حدود زمانها، لهذا لم تعد أعمالها ملكًا لجيلها فحسب، بل تحولت إلى جزء أصيل من الذاكرة الفنية العربية، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن أثير الإذاعة وأقراص الأسطوانات القديمة إلى شاشات «يوتيوب» و«فيسبوك» و«تيكتوك».

اللافت للنظر

أن صورها وتسجيلاتها النادرة أصبحت مادةً للبحث والتداول؛ وكأنها مفارقة «الزمن الجميل»: كلما ابتعدت فايزة أحمد عنا زمنيًا، اقتربت منا فنيًا ووجدانيًا!

وأثبتت أن الأغنية القائمة على لحن قوي، وكلمات عميقة، وأداء صادق، قادرة على العيش لعشرات السنين، بينما تتلاشى ظواهر غنائية معاصرة بمجرد انقضاء عمر «التريند» المؤقت.

ثنائية فنية خالدة مع محمد سلطان

لم تكن فايزة أحمد مجرد صوت استثنائي، بل كانت شريكة في صناعة حالة فنية متكاملة.

فقد شكّل تعاونها مع زوجها وملحنها الفنان محمد سلطان ثنائية فنية فريدة من نوعها، أنتجت أبرز أغانيها الخالدة، وقدمت من خلالها أسلوبًا خاصًا يجمع بين الشجن المصري والعذوبة الشرقية، فيما كتب لها كبار الشعراء كلمات أحاطت بتجربتها الإنسانية والفنية.

رحلت كروان الشرق في 21 سبتمبر 1983

لكن صوتها لم يرحل معها.

لا يزال يصدح بأشهر أغانيها مثل: «بكره تعرف»، «ست الحبايب»، «بيت العز»، و«يا مّه القمر على الباب»، وغيرها من التسجيلات القديمة، وكذلك الأغنيات الطويلة التي أثبتت قدرتها على الحفاظ على نشاطها الفني حتى سنواتها الأخيرة.

وما زالت صورتها تظهر على شاشات الهواتف، وكأن الجمهور يقول لها بعد 43 عامًا: «نحن لم ننسكِ».

عظمة الفنان الحقيقي

وهنا تكمن عظمة الفنان الحقيقي، أن يرحل صاحبه، وتبقى أغنياته حية، وأن تمر عشرات السنوات، ثم يكتشف جيل جديد أن صاحبة هذا الصوت كانت موجودة قبل أن يولد، لكنها ما زالت قادرة على أن تمنحه المتعة والدهشة، وأن تثبت أن الفن الأصيل لا يشيخ ولا يخضع لمنطق الترند العابر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *