في ظل موجة واسعة من الجدل والقلق الشعبي والبيئي التي اجتاحت الشارع المصري خلال الفترة الأخيرة، على خلفية حملات قطع الأشجار في عدد من الشوارع والميادين، تدخل مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ليضع النقاط على الحروف، ويوضح الموقف الشرعي والديني من هذه الممارسات التي تمس الغطاء النباتي والبيئة العامة.
الإسلام والبيئة.
نظرة شاملة تتجاوز النصوص الجامدة.
شدد الأزهر الشريف في بيانه على أن الدين الإسلامي الحنيف لم يكن يوماً مجرد نصوص جامدة تُحفظ دون تطبيق، بل هو منهاج حياة متكامل يدعو إلى الرحمة بكل الكائنات، مؤكداً أن العناية بالشجر والبيئة الخضراء تُعد جزءاً أصيلاً من مقاصد الشريعة التي تسعى لتحقيق مصالح العباد وحفظ مقدراتهم.
وأشار البيان إلى أن الاعتداء على الأشجار دون مبرر شرعي أو ضرورة قصوى يُعد مخالفة صريحة للتوجيهات النبوية التي حثت على استدامة الحياة وتوسيع مساحات الزرع لا إبادتها، مستنداً إلى أحاديث نبوية شريفة روتها كتب السنة، من أبرزها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها»، وهو نص يرسخ مبدأ العمل والبناء حتى في أحلك الظروف.
قاعدة «اغرسها».
تأصيل نبوي للتنمية المستدامة.
أوضح مركز الفتوى أن القاعدة النبوية «اغرسها» التي حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، تأتي لتؤصل لمبدأ التنمية المستدامة قبل أن يعرف العالم هذا المصطلح بقرون، حيث دعا الإسلام إلى عمارة الأرض والحفاظ على توازنها البيئي، وجعل العناية بالنبات والحيوان عبادة يُثاب فاعلها.
ووفقاً للفتوى، فإن اقتلاع الأشجار المثمرة أو تلك التي توفر الظل للمارة وتنقّي الهواء وتمتص الانبعاثات الكربونية، يُعتبر تصرفاً غير مسؤول يتنافى مع قيم الحفاظ على الموارد العامة التي ينتفع بها المجتمع بأسره، خاصة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي يعاني منها العالم، والتي تجعل من الأشجار خط دفاع أول ضد الاحتباس الحراري.
الفوائد البيئية للأشجار.
ما الذي نخسره فعلاً؟.
لا تقتصر أهمية الأشجار على الجانب الجمالي، بل تمتد لتشمل وظائف حيوية متعددة:
- تنقية الهواء: تمتص الأشجار ثاني أكسيد الكربون وتطلق الأكسجين، وتحتجز الملوثات والجسيمات العالقة.
- خفض درجات الحرارة: توفر الظل وتقلل من ظاهرة «الجزر الحرارية» في المدن المزدحمة، ما يخفض استهلاك الطاقة في التبريد.
- الحماية من التصحر: تعمل جذور الأشجار على تثبيت التربة ومنع الانجراف.
- الصحة النفسية: أثبتت دراسات أن المساحات الخضراء تقلل التوتر وتحسن المزاج والتركيز.
- التنوع البيولوجي: تشكل الأشجار موطناً للطيور والحشرات والكائنات الدقيقة.
رسالة توعوية للمواطنين والجهات المسؤولة
اختتم الأزهر رسالته بالتأكيد على أن التشجير يمثل صدقة جارية ونفعاً متعدياً للإنسان والحيوان، مستشهداً بما ورد في السنة من أن من غرس شجرة كان له أجرها ما أكل منها الطير أو الإنسان أو الحيوان.
ودعا مركز الفتوى كافة الجهات والأفراد إلى تغليب لغة الحفاظ على البيئة، وإعطاء الأولوية للبحث عن بدائل حضارية عند الحاجة لتنفيذ أعمال البنية التحتية أو التوسع العمراني، من قبيل نقل الأشجار بدلاً من قطعها، أو إعادة الزراعة في مواقع بديلة، بدلاً من اللجوء للحلول الجائرة التي تؤدي إلى تدمير الرقعة الخضراء التي تمثل الرئة التي يتنفس من خلالها المجتمع.
أبعاد قانونية ومجتمعية
يُذكر أن قضية قطع الأشجار أثارت في السنوات الأخيرة جدلاً واسعاً في مصر، مع تصاعد مطالب المجتمع المدني والخبراء البيئيين بضرورة تطبيق ضوابط صارمة تحكم عمليات الإزالة والتقليم، وإلزام الجهات المنفذة بإجراء دراسات أثر بيئي قبل أي عملية قطع، إلى جانب تعويض الفاقد الأخضر بأضعاف المساحة المزالة.
ويبقى الرهان الأكبر على وعي المواطن ودوره الرقابي في حماية ما تبقى من مساحات خضراء.

التعليقات