بقلم د.
رضا عادل فاضل.
في اللحظة التي يذوب فيها ضوء النهار في مياه النيل، كان الهواء نفسه يتغيّر.
لم يكن غروبًا عاديًا، بل كان مسرحًا بدأت تُرفع عنه ستائر الصمت.
أعلت موسيقى عسكرية هادرة، ثم شقّت أجنحة الطائرات الهواء، واهتزت الأرض تحت خطوات موحّدة لا تختلف نبضتها.
ما جرى لم يكن مراسم تقليدية تُشاهد وتُنسى، بل كان نصًا كاملًا فُصّل بلا كلمة واحدة.
المبنى حين يصبح نصًا قبل أن نخوضه
أمام «الأوكتاجون» نتوقف قبل أن ندخل.
الهندسة هنا ليست شكلًا بل خطابًا: الأرضية العالية تعلن «نحن هنا»، والجدران الصارمة ترد «لن نتزحزح»، وفي كل زاوية تتقاطع حضارة أصيلة بحداثة جسورة.
لا وجود للزخرفة العابثة، فكل تفصيل محسوب، ولكل عنصر وزنه، ولكل معنى مقصده.
هذا ليس مبنى، بل إجابة معمارية على سؤال الهوية.
وقد صُمّم المبنى ليُقرأ بالعين وليس فقط بأنظمة الأمن، إذ توظّف الفراغات الواسعة والواجهات الصلبة لغةً من التوازن بين الصلابة والانفتاح: صلابة لا تنغلق، وانفتاح لا يتراخى.
إنه إعلان معماري عن دولة تريد أن تُرى فضلًا عن أن تُسمع.
الموسيقى كلغة سياسية موازية
حين أعلنت الأوركسترا أبوابها، شعر الحاضرون أنهم ليسوا في مصر وحدها، بل في مزيج من كل الحضارات.
هيبة النغمة العسكرية التقت برقّة الأوركسترا في لحظة واحدة، فكانت الرسالة أكثر تعقيدًا من أي شعار: نحن قوة، لكننا قوة تحترم تراثها وتعشق ثقافتها وترفض البدائية.
اختيار الأوركسترا لم يكن عشوائيًا، فالهيمنة الخشنة تختار الصخب، أما الحضور الواثق فيختار الانسجام.
حين تُطلق الدولة بوقها فإنها تكتب بيانًا لا يُقرأ في الصحف بل يُسمع في الصدر.
ولأن الموسيقى وعاء للذاكرة، فقد استعادت المقطوعات نكهات من خمسينيات النهضة وألحانًا وطنية حفظها الناس قبل أن يقرؤوها، فربطت بين ذاكرة الجمهور اللحنية وبين حاضر الحفل، وجعلت الوقوف في المكان إحساسًا بالانتماء إلى سرد طويل لا تبدأ فصوله عند اللحظة الحاضرة بل قبلها بقرن.
الصورة الحية: فيلم بلا ممثلين
لم يخبرنا العرض الوثائقي بالتاريخ بل استدعانا إليه.
لم تُعرض أسماء الرؤساء كأسماء متنافسة، بل كُتبت كفقرة واحدة في قصة دولة تتطور.
إنه اختيار صعب: أن تحترم خصومك، وتُقرّ بجهدهم، وتقول لشعبك: هذه أساسكم، والآن نبني فوقه.
قلّة من القيادات تملك شجاعة هذا الصدق، لأن الاعتراف بالتي جاءت قبلك اعتراف بأن البناء طويل وأن الفصول تتصل لا تتصارع.
ووسط هذه الصور لم يكن العرض مجرّد توثيق، بل إعادة تأليف للذاكرة، إذ انتقى أي اللحظات تُروى وأيها تُترك على هامش التاريخ، وهو ما يجعل الوثائقي جزءًا من صناعة الوعي لا أرشيفًا فقط.
الأجنحة تكتب ما تسكت عنه الشفاه
تشكيلات الطائرات في السماء، ستّ مقاتلات تخترق السحاب في لحظة واحدة، أدلّت أكثر من مائة خطاب رسمي.
كانت جملة بلا كلمات: نحن هنا، نحن أقوياء، نحن واقع لا خيال.
لا نتحدّث عن القوة، بل نعيشها.
الطيارون ليسوا رياضيين فقط، بل فنانون يرسمون بالفولاذ على لوحة الهواء، والمشهد لم يكن معركة، بل باليه عسكريّ محسوب.
ولأن مثل هذه التشكيلات تحتاج انضباطًا فائقًا وتدريبًا متواصلًا، فإن رشاقتها الظاهرة تخفي وراءها تخطيطًا هندسيًا بالثانية، فتُشير إلى منظومة مؤسسية قادرة على التنسيق بين مئات العناصر في زمن واحد.
الجنود: الرسالة التي تمشي على قدمين
لكن الأهم جاء بعد الضجيج.
حين توقفت الطائرات، وخفتت الموسيقى، بقي الجنود أمام الشمس، وهناك انكشفت الحقيقة: ليس الذهب، وليس اللمعان، إنما الإنسان.
وحين طلب الرئيس تغيير وضعية الوقوف من «كتفًا بكتف» إلى «جنبًا إلى جنب»، كانت تلك خطبة كاملة: قوة بلا ظلم، حسم بلا قسوة، سلطة بلا تعطّش للسلطة.
من يفهم هذا التفصيل يفهم الفرق بين الديكتاتورية والديمقراطية، لأن تحريك جيش بكلمة واحدة ورفع العبء عنه بأخرى هو إشارة إلى من يحكم بمنطق الانضباط لا بمنطق الترهيب.
مشهد الأطفال: اعتراف لا زينة
لم يكن حضور الأطفال زخرفة، بل اعترافًا صريحًا: نحن لا نبني لأنفسنا بل لهؤلاء.
هنا توقف كل شيء عن كونه عسكريًا واستعاد إنسانيته.
ابتسامة رئيس دولة أمام طفل يصغره بأربعة عقود أقوى من أي استعراض.
الأطفال لا يحبّون القوة بل الأمان، ولا يحبون الجبروت بل المستقبل.
وحين يبتسم قائد أمامهم فإنه يقول للشعب: كل هذا الجهد، وكل هذا الانضباط، وكل هذا الفولاذ له غاية واحدة، حماية طفل يلعب في الشارع.
وهو ما يعيد تعريف العلاقة بين الجيش والمجتمع، إذ يتحوّل الجيش من مؤسسة أمنية يُخاف منها إلى مؤسسة تنموية تطمئن إليها، مذكّرًا بأن أفضل مؤشر على نضج القوة هو ما تفعله من أجل الأضعف.
الحديث عن الإعلام: اللفتة الأكثر دقّة
ثم جاءت اللفتة الأدق: إعادة تعريف الإعلام لا استعراضه.
الدولة تقول لوسائل إعلامها: أنتم لستم مراقبين، بل شركاء في رواية القصة، وبناء الثقة، وإدارة الحوار بين الدولة والشعب.
اجتماعات سنوية برعاية الرئيس نفسه كانت رسالة واضحة: الإعلام لن يُتجاهل، لكن عليه أن يكون احترافيًا، موحّدًا، طامحًا، قادرًا على إنتاج سرد وطني لا أن يكون صدىً مجرّدًا لمصادر خارجية.
الحفل نقد ذاتي صامت
كان الحفل بذاته نقدًا ذاتيًا منخفض الصوت: نعم، لدينا قوة، لكننا نريد أن تروا أكثر من القوة.
روا التنظيم، روا الاحترافية، روا الإنسان تحت الزي، روا القائد الذي يأمر جنديّه أن يستريح، روا دولة لا تخشى أن تسمع إعلامييها.
هنا تتحوّل الاحتفالية من عرض إلى حوار، ومن إعلان إلى مراجعة، ومن قوة تُخاف إلى قوة تُفهم.
خاتمة: مرآة عملاقة
خرجنا لا ندري هل شهدنا بناءً استراتيجيًا جديدًا أم مرآة عملاقة عكست لنا صورة أنفسنا كما تريدنا دولتنا أن نكون.
وربما هذا هو التعريف الحقيقي للاحتفالية الموفّقة: أن تتركك لا تعرف أين انتهت الحقيقة وأين بدأ الحلم.
لأنه عندما تتحدث الحجارة والفولاذ والطائرات والجنود بلغة الدولة، فإنها لا تُخبرك بما تملكه الدولة فقط، بل بما تريد أن تصبح عليه.

التعليقات