مقترح استراتيجي لتحويل بحيرة ناصر إلى مشروع طاقة متكامل
في خطوة طموحة تسعى إلى تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية الكبرى في مصر، قدّم المهندس محمد شعيب، الرئيس التنفيذي الأسبق للشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس»، رؤية هندسية واقتصادية متكاملة تهدف إلى استغلال مساحات واسعة من بحيرة ناصر الحيوية، بما يجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة وترشيد الموارد المائية في آن واحد.
ثلاثة مكاسب كبرى للدولة المصرية
أوضح الخبير البارز في قطاع الطاقة أن المقترح الجديد لا يقتصر هدفه على جانب واحد فقط، بل يحقق معادلة صعبة تجمع بين ثلاثة مكاسب رئيسية:
- توليد طاقة كهربائية نظيفة من مصادر متجددة لا تنضب.
- خفض الاستهلاك المحلي من الوقود التقليدي، وهو ما يوفّر موارد مالية ضخمة يمكن توجيهها إلى مشروعات تنموية أخرى.
- معالجة إحدى أبرز المشكلات الطبيعية التي تواجه البحيرة سنوياً، وهي الفقد الهائل في المياه نتيجة عمليات البخر الشديدة تحت أشعة الشمس الحارقة.
رؤية فنية لمستقبل الطاقة المستدامة
وتعتمد الفكرة الأساسية للطرح على استخدام تقنيات حديثة ومبتكرة لتغطية أجزاء محددة من مسطح بحيرة ناصر بمعدات تساهم في تقليل درجات الحرارة المباشرة على سطح المياه، مما يقلل معدلات البخر، بالتزامن مع استثمار هذه المساحات في مشروعات الطاقة المتجددة.
وهو ما يمثل نقلة نوعية في استراتيجية الدولة نحو التحول الأخضر وتعظيم عوائد المشروعات القومية الكبرى.
الألواح الشمسية العائمة: تقنية عالمية بتطبيقات مصرية
يُعدّ نظام الطاقة الشمسية العائمة (Floating Solar PV) أحد أسرع تقنيات الطاقة المتجددة نمواً في العالم، إذ تُثبَّت الألواح الكهروضوئية على منصات عائمة فوق المسطحات المائية كالسدود والبحيرات والبحيرات الصناعية.
وتتميز هذه التقنية بعدة مزايا فنية تجعلها مناسبة تماماً لبحيرة ناصر:.
- كفاءة إنتاجية أعلى: يساهم التبريد الطبيعي الناتج عن وجود الألواح فوق المياه في خفض درجة حرارة الخلايا الشمسية، مما يرفع كفاءتها في توليد الكهرباء مقارنة بالألواح المثبتة على اليابسة.
- توفير مساحات الأراضي: لا تستنزف الألواح العائمة أراضي زراعية أو مساحات صحراوية قابلة للتنمية، وهو أمر بالغ الأهمية في مصر.
- تقليل تبخر المياه: تشير الدراسات الدولية إلى أن تغطية الألواح العائمة لجزء من سطح المسطح المائي يمكن أن تقلل معدلات التبخر بنسب تتراوح بين 70% و85% في المناطق المغطاة، مما يوفّر كميات كبيرة من المياه سنوياً.
- الحد من نمو الطحالب: تقلل التغطية من اختراق ضوء الشمس للمياه، مما يحدّ من تكاثر الطحالب ويحسّن جودة المياه.
بحيرة ناصر: كنز مائي وطاقي غير مستغل
تُعدّ بحيرة ناصر أكبر بحيرة صناعية في العالم، إذ تمتد على مساحة تقارب 5,250 كيلومتراً مربعاً بطول يصل إلى نحو 500 كيلومتر، وتخزّن ما يقارب 130 مليار متر مكعب من المياه.
وتتلقى البحيرة كميات هائلة من الإشعاع الشمسي على مدار العام، لا سيما في المناطق الجنوبية القريبة من الحدود السودانية، حيث تتجاوز معدلات الإشعاع الشمسي المباشر 2,000 كيلوواط ساعة لكل متر مربع سنوياً، وهو ما يجعلها موقعاً مثالياً لمشروعات الطاقة الشمسية على نطاق واسع.
ومن هذا المنطلق، فإن استغلال جزء صغير فقط من مسطح البحيرة في مشروعات الطاقة الشمسية العائمة يمكن أن يولّد قدرات كهربائية ضخمة، مع تحقيق وفورات مائية كبيرة تُخفف الضغط عن مخزون السد العالي، خاصة في ظل التحديات المائية التي تواجهها مصر.
الأثر الاقتصادي والبيئي المتوقع
يمكن أن يُسهم هذا المقترح في تعزيز موقع مصر الإقليمي في مجال الطاقة المتجددة، وجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة النظيفة، إضافة إلى دعم أهداف الاستراتيجية الوطنية للطاقة المستدامة التي تستهدف الوصول إلى نسبة 42% من مصادر متجددة في مزيج الكهرباء بحلول عام 2035.
كما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية تماشياً مع التزامات مصر الدولية في اتفاقية باريس للمناخ.
التحديات التي تواجه التنفيذ
على الرغم من المزايا الكبيرة، يواجه تنفيذ المشروع عدداً من التحديات التي تحتاج إلى دراسات جدوى معمّقة، منها: تكاليف التركيب والصيانة في البيئة المائية، والحاجة إلى بنية تحتية لنقل الكهرباء المنتجة إلى شبكات الاستهلاك، والأثر البيئي المحتمل على النظام البيئي للبحيرة والثروة السمكية، إضافة إلى متطلبات الأمن والسلامة في منشآت بهذا الحجم.
ويبقى نجاح الفكرة مرهوناً بتكامل الجهود بين وزارات الكهرباء والري والبيئة والجهات المعنية.

التعليقات