التخطي إلى المحتوى

شعر: شيرين العدوي

في نصٍّ شعريٍّ يحمل همساً هادئاً أكثر من صوته، تصوغ الشاعرة شيرين العدوي تجربةً عن القرب الذي لا تقيسه الأميال، بل تقيسه النبضات.

نصٌّ يتأمل المسافة بين القاهرة والجزائر، ويحولها من رقمٍ جغرافي إلى حالةٍ وجدانية، ومن خطٍّ على الخريطة إلى جسرٍ من الحنين.

الطريق الواسع لا يلزمنا

تفتتح الشاعرة نصها برفضٍ لطيفٍ لفكرة الاتساع: «أنا لستُ بحاجةٍ إلى طريقٍ واسعةْ، تكفيني نظرة عين أو غمرة روح سارحةْ».

فالوصول إلى الآخر لا يحتاج إلى مساحاتٍ شاسعةٍ ولا إلى طرقٍ ممهدة، بل إلى لحظة انتباهٍ واحدة، إلى نظرةٍ صادقةٍ تختصر كل شيء.

وتضيف صورةً بصريةً بديعة: «رقعةُ بيضاء تبقى سابحةْ»، وكأن البياض هنا مساحةٌ للحلم لا للفراغ، نقطةٌ تتسع حتى تصير عالماً.

المسافة نبضةٌ لا أميال

ثم تنتقل الشاعرة إلى جوهر النص، فتعيد تعريف الجغرافيا: «المسافة بين القاهرة والجزائر ليست أميالاً ههنا».

وتكمل بلعبةٍ لفظيةٍ دالة: «المسافة بين القاهرة والجزائر القاهرة… المسافة بين الجزائر والقاهرة الجزائر»، وكأن كل مدينةٍ تحمل الأخرى داخلها، وكأن الاتجاه لا يغيّر شيئاً من حقيقة الانتماء المتبادل.

تخلص بعدها إلى خلاصةٍ مكثفة: «إنها نبضةٌ واحدة في صدرِ محبرة، تتذوقُ طعمَ الحنينِ وحدها».

فالمحبرة تصير قلباً، والشعر هو المكان الذي تلتقي فيه المدينتان.

الموت الذي لا يزور الكتب القديمة

في مقطعٍ لاحق يكثّف النص تأمله في الزمن والذاكرة: «الموتُ هنا أو هناك لا يزورُ الكتبَ القديمة، فقط إنها تبتسمُ حين يسّاقط عنها الغبار».

فالكلمات القديمة لا تموت، بل تظل حيّةً تحت الغبار، تبتسم حين يوقظها القارئ من جديد.

إنها إشارةٌ إلى خلود النص الشعري وإلى أن الذاكرة الثقافية أقوى من الفناء.

نهران في قلب واحد

ثم تعود الشاعرة إلى الصوت الشخصي: «وأنا هنا أحملُ في قلبي نهرين، نهراً يروي الذاكرة ونهراً يغسلُ تعبَ المسافات».

صورةٌ تختصر ازدواج الانتماء: نهرٌ للجذور ونهرٌ للرحلة، نهرٌ يحيي الماضي ونهرٌ يطهّر الحاضر من عنائه.

وهكذا تصبح المسافة بين القاهرة والجزائر ليست فراقاً، بل ممراً لمياهٍ تجري في القلب.

حمام السلام فوق كفّ مفتوحة

يُختم النص بمقطعٍ هادئٍ رافضٍ للخطابة: «حين أقفُ قارئةْ، لن ألقيَ خطاباً حماسياً، سأكتفي بأن أفتح كفيّ، ليطيرَ من بين أصابعي حمامُ السلام».

فبدلاً من الشعارات العالية، تختار الشاعرة الإيماءة الصغيرة الصادقة: كفٌّ مفتوحٌ وحمامةٌ تحلّق.

هنا تكتمل الفكرة: القرب بين الشعوب لا يُصنعه الكلام الكبير، بل اليد المفتوحة والنبض الصادق.

حول النص وتجربته

ينتمي هذا النص إلى الشعر العربي المعاصر الذي يزاوج بين الهمِّ الذاتي والهمِّ القومي، ويستثمر تفاصيل المكان (القاهرة، الجزائر) كرموزٍ للتواصل لا للانفصال.

وتشتغل فيه الصور الحسية (المحبرة، النهر، الحمام) على بناء لغةٍ شفافةٍ قريبةٍ من الروح، بعيدةٍ عن الضجيج البلاغي.

ويظهر أثر الذاكرة الثقافية المشتركة بين مصر والجزائر — من اللغة إلى التاريخ إلى الفن — بوصفها أساساً لعلاقةٍ تتجاوز الحدود وتتجلى في نصٍّ يرى أن القرب الحقيقي مسألةُ قلبٍ لا مسألةُ خريطة.

قصيدةٌ تقول إن المسافات تُختصر بنظرة، وإن الحنين لغةٌ يتذوقها القلب وحده، وإن السلام يبدأ من كفٍّ مفتوحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *