في موقف دولي لافت يضع الأزمات الإنسانية الكبرى في صدارة الاهتمام، دعت رئيسة جمهورية سلوفينيا، الدكتورة ناتاشا بيرتس موسار، إلى إعادة النظر جذرياً في آلية عمل مجلس الأمن الدولي، مؤكدة ضرورة تقييد استخدام حق النقض (الفيتو) في الملفات المرتبطة بجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، باعتبار أن هذا الحق كثيراً ما يقف حائلاً أمام تحقيق العدالة الدولية وحماية المدنيين في مناطق النزاع حول العالم.
موقف حاسم من الفيتو في ملف الإبادة الجماعية
أوضحت الرئيسة السلوفينية أن اللجوء إلى الفيتو في قضايا الجرائم الكبرى يعطّل قدرة المجتمع الدولي على القيام بدوره الأساسي في حفظ السلم والأمن الدوليين، مشددة على أن العدالة ينبغي أن تعلو فوق أي حسابات سياسية أو مصالح ضيقة لدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن.
ويأتي هذا الموقف ليعيد إلى الواجهة النقاش المستمر حول ضرورة إصلاح البنية الإدارية والسياسية للأمم المتحدة، بما يضمن تدخلاً سريعاً لوقف المجازر البشرية فور اندلاعها دون عوائق سياسية.
إعادة إعمار غزة.
خطوة ثانية بشروط صارمة.
وفي ما يتصل بالأوضاع الإنسانية الملحة في قطاع غزة، تطرقت الدكتورة ناتاشا بيرتس موسار إلى ملف التعافي المبكر وإعادة الإعمار، محذرة بوضوح من البدء في عمليات إعادة بناء ما دمّرته آلة الحرب الإسرائيلية قبل توفر الشروط الموضوعية والسياسية والبيئية اللازمة.
وأشارت إلى أن إعادة إعمار غزة ينبغي أن تكون خطوة ثانية مدروسة بعناية ضمن مسار متكامل وشامل يعالج جذور الأزمة الإنسانية والسياسية، لا مجرد ترميم شكلي لمخلّفات الدمار دون ضمانات حقيقية تمنع تكرار المأساة.
أبعاد الموقف السلوفيني ورمزيته الدبلوماسية
يكتسب هذا الموقف أهمية إضافية بالنظر إلى أن سلوفينيا عضو غير دائم في مجلس الأمن، وقد برزت في الفترات الأخيرة كصوت أوروبي داعم للقانون الدولي الإنساني والحقوق الفلسطينية.
وتنسجم تصريحات الرئيسة موسار مع مطالب دول عديدة تدعو إلى تفعيل مبدأ “المسؤولية عن الحماية” وتقييد الفيتو في الحالات التي تهدد فيها الجرائم الجماعية السلم والأمن الدوليين.
الأثر المتوقع على مسار الإصلاح الأممي
وتفتح هذه الدعوات مجالاً لمراجعة أوسع لميثاق الأمم المتحدة، إذ اقترحت مبادرات سابقة، من بينها مبادرة “الفيتو في حالة الإبادة الجماعية”، تعليق استخدام حق النقض عند ارتكاب جرائم جماعية.
ورغم أن تفعيل هذا التقييد يصطدم بعقبات إجرائية ترتبط بحاجة تعديل الميثاق وموافقة الدول دائمة العضوية، فإن تصاعد الدعم الدولي يعكس تحولاً متزايداً في الرأي العام نحو إخضاع الفيتو لاعتبارات إنسانية وأخلاقية.
شروط إعادة الإعمار بين الواقع السياسي والاستحقاق الإنساني
وتجدر الإشارة إلى أن ملف إعادة إعمار غزة يقترن بتقديرات دولية ضخمة تتجاوز عشرات مليارات الدولارات، وهو ما يجعل توقيته مرتبطاً بضرورة التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية واضحة.
وتؤكد مواقف خبراء التنمية أن الإعمار المستدام يتطلب ضمانات لوقف العمليات العسكرية، وحرية وصول المساعدات، ومشاركة مؤسسات محلية موثوقة، إلى جانب معالجة ملفات الملكية والإسكان وتوفير البيئة القانونية اللازمة، وهو ما يتقاطع مع التحذيرات السلوفينية من استعجال البناء قبل نضوج الظروف.
وبذلك، تضع رئيسة سلوفينيا معادلة مزدوجة: إصلاح آليات العدالة الدولية عبر تقييد الفيتو، وربط إعادة الإعمار بمتطلبات سياسية وإنسانية واضحة، في مسعى لضمان عدم تكرار المآسي وحماية المدنيين في بؤر النزاع.

التعليقات