قبل نحو أربعين عاما، وتحديدا من مدينة رأس سدر، بدأت الحكاية.
لم تنتظر السيدة نسيلة زيدان أن تتحول سيناء إلى وجهة جاذبة للاستثمار حتى تقصدها، ولم تنظر إلى جنوب سيناء باعتباره فرصة تنتظر من يكتشفها، بل اتخذت قرارها مبكرا وحملت معها فكرة الاستثمار والتعمير إلى أرض كان إقناع الآخرين بجدوى هذه الخطوة فيها تحديا لا يقل صعوبة عن تنفيذها.
رؤية سبقت زمنها
كانت نسيلة زيدان ترى ما هو أبعد من المشهد القائم، وتؤمن بأن سيناء لا تحتاج إلى من يتحدث عن إمكاناتها، بل إلى من يذهب إليها ويبدأ بالفعل.
وبهذه القناعة دخلت مجال الاستثمار السياحي لتصبح أول مستثمرة في مدينة رأس سدر، وتبدأ رحلة لم تكن مجرد تأسيس لنشاط اقتصادي، وإنما محاولة لترجمة إيمانها بأن التنمية على أرض سيناء ركيزة أساسية في حماية مقدراتها وصناعة مستقبلها.
تسويق الفكرة في وجه الاستغراب
في تلك السنوات لم تكتف بانتظار اقتناع المجتمع بالفكرة، بل خرجت لتسويقها بنفسها في النقابات والجامعات، وواجهت نظرات الاستغراب التي كانت تقابل بها دعوتها إلى تعمير سيناء والاستثمار فيها.
وتصف شعورها حين كانت تشعر بأن الآخرين ينظرون إليها باعتبارها تطرح فكرة غير مألوفة، لكنها لم تتراجع، لأن ما كانت تراه حلما قابلا للتحقق لم يكن تصورا عابرا، بل مشروعا آمنت بضرورته للوطن.
جذور شخصية تشكلت بالقراءة والتربية
وعند سؤالها عن مصدر هذه الجرأة، تعود الإجابة إلى جذور شخصية تشكلت على القراءة والانفتاح على المعرفة، وإلى تربية كان لها أثر عميق في اختياراتها.
فالسيدة نسيلة زيدان خريجة كلية الآثار بجامعة القاهرة، تؤكد أن حب القراءة لازمها منذ الطفولة وأسهم في تشكيل وعيها، بينما كان والدها، رحمه الله، وهو رجل أزهري وتربوي، النموذج الأهم في حياتها، إذ تعلمت منه التواضع وحب الخير ومساعدة الناس.
ولم تكن القيادة بالنسبة إليها صفة اكتسبتها بعد دخول مجال الأعمال، بل بدأت ملامحها مبكرا من خلال نشاطها في اتحاد الطلاب منذ سنوات الدراسة وحتى الجامعة.
وهناك تشكلت خبرتها الأولى في المشاركة وتحمل المسؤولية والتعامل مع الآخرين، وهي خبرات انعكست لاحقا على قدرتها في الدفاع عن أفكارها وخوض تجارب تتطلب المبادرة والإصرار.
حضور يمتد من الاستثمار إلى العمل العام
ومع امتداد تجربتها في جنوب سيناء، لم ينحصر حضورها في الاستثمار السياحي، فقد شاركت في مؤتمرات وندوات متعددة، وتقول إن الدافع الذي صاحب مشاركاتها كان دائما مصر، باعتبار أن تمثيل الوطن والتعبير عن قضاياه مسؤولية لا ترتبط بمنصب أو موقع رسمي.
وفي مسار العمل العام، تضع زيدان مشاركتها في تأسيس حركة تمرد ضمن المحطات التي لا تنفصل عن رؤيتها لدور المرأة في اللحظات الوطنية المهمة، وتستعيد تلك الفترة بوجودها في الميدان بصحبة ابنتها يارا عفت لأيام طويلة، في محاولة لحماية الجبهة الداخلية وتشجيع النساء على التكاتف وتوحيد الصف.
خير بعيد عن الإعلان
أما الجانب الإنساني في تجربتها فتتعامل معه بعيدا عن منطق الإعلان عن الأعمال أو تحويلها إلى رصيد من الثناء.
وتقول إن جانبا من عملها الخيري معروف بينما يظل كثير منه غير معلن، لأنها تؤمن بأن قيمة الخير لا تتوقف على معرفة الناس بمن قدمه، وأن ما يُفعل ابتغاء وجه الله لا يحتاج إلى دعاية.
أعظم استثمار: بناء الإنسان
لكن المفارقة اللافتة في حديثها عن الإنجاز أن أكثر ما تعتز به لا يرتبط بمشروع استثماري أو مشاركة سياسية أو حضور في مؤتمر، بل بابنتها الدكتورة يارا عفت، عضو مجلس النواب.
فحين تتحدث السيدة نسيلة زيدان عن حصاد سنوات عمرها، تضع تربية ابنتها في مقدمة ما تعتبره نجاحا حقيقيا، وكأنها تقول إن بناء الإنسان يظل أعظم استثمار يمكن أن يتركه المرء بعده.

التعليقات