أعاد الدكتور محمد البرادعي، نائب الرئيس المصري الأسبق والمدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الجدل إلى واجهة النقاش العام على منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن استدعى من ذاكرة السياسة تحليلاً قديماً كان قد قدّمه في عام 2020، يتناول طبيعة المسار الذي يسلكه الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وهو التحليل الذي يبدو اليوم أقرب إلى الواقع مما كان عليه حين كُتب.
قراءة استباقية للمشهد الإقليمي
لم تكن إعادة البرادعي لرؤيته السابقة مجرد استرجاع عابر، بل خطوة مقصودة لتوجيه أنظار المتابعين والمهتمين بالشؤون الدولية إلى قدرة التحليل السياسي على استشراف المخاطر قبل وقوعها.
فقد حرص الدبلوماسي المصري المخضرم على التذكير بما دوّنه سابقاً، مؤكداً أن القلق ذاته الذي حمله حينها ما زال قائماً، وأن السيناريوهات المرتبطة باحتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق قادرة على زعزعة استقرار المنطقة بأكملها لم تزل مطروحة على الطاولة.
خبرة نووية ودبلوماسية تعزز مصداقية الطرح
يكتسب طرح البرادعي وزناً إضافياً من مسيرته الطويلة في قلب ملفات النزاع الدولي؛ فبصفته مديراً عاماً للوكالة الدولية للطاقة الذرية بين عامي 1997 و2009، كان على تماس مباشر مع ملف البرنامج النووي الإيراني في مراحله الأولى، وشهد عن كثب تعقيدات التفاوض والتفتيش والتحقق.
كما أنه حاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005 مع الوكالة، ثم خاض تجربة سياسية قصيرة في مصر بعد عام 2011.
هذه الخلفية تجعل من قراءاته موضع اهتمام خاص لدى الباحثين، الذين يقارنون بين تقديراته السابقة والمسار الفعلي للأحداث.
تفاعل واسع وتقييمات متباينة
وقد انقسمت ردود الفعل بين رواد منصات التواصل الاجتماعي والباحثين في الشؤون السياسية على تذكرة البرادعي؛ ففي حين اعتبرها فريق واسع قراءة واعية ومبكرة استطاعت التقاط إشارات الأزمة قبل استعارها، تساءل آخرون عن مدى انطباق تلك الرؤى على المعطيات الراهنة بعد سلسلة التطورات المتلاحقة على الساحة الدولية، وما شهدته العلاقات الأمريكية الإيرانية من محطات متباينة بين التصعيد والعقوبات والوساطات الإقليمية.
الملف النووي في قلب التوتر المستمر
ويبقى الملف النووي الإيراني المحور الذي يدور حوله الصراع بين واشنطن وطهران، إذ شكل الاتفاق النووي المبرم عام 2015 قمة ما بلغه التعاون الدبلوماسي، قبل أن يشهد مساره انقلاباً بعد انسحاب الولايات المتحدة منه عام 2018، مما أعاد التوتر الإقليمي إلى نقطة الصفر تقريباً وأعاد فتح باب السيناريوهات الأشد خطورة.
مخاطر عدم الاستقرار الإقليمي
ويُجمع مراقبون على أن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران لن تبقى محصورة في حدودهما، بل ستنعكس فوراً على الممرات البحرية الحيوية كـ مضيق هرمز، وعلى شبكة المصالح والأذرع الإقليمية في العراق وسوريا ولبنان واليمن، الأمر الذي يفسر اهتمام البرادعي المتكرر بمسألة الاستقرار الإقليمي وحساسيته البالغة، ويوضح لماذا يجد نقاشه صدى واسعاً كلما أعاد طرحه.
دعوة دائمة للعقلانية
الأهم في هذه العودة إلى التحليل القديم ليس الجدل حول صحة التوقعات بقدر ما هو الرسالة الكامنة خلفها: أن الحل الدبلوماسي، رغم تعقيده، يظل الخيار الأقل كلفة بالنسبة للمنطقة والعالم، وأن المسار العسكري يُنتج التصعيد دون حل.
وهذا ما يجعل من إعادة البرادعي طرح رؤيته، ست سنوات بعد كتابتها، دعوة متجددة إلى التوقف عند دروس الماضي وضرورة الحكمة في إدارة أحد أخطر ملفات السياسة الدولية.

التعليقات