في شهادة إنسانية نادرة، كشف عالم الآثار المصري الشهير الدكتور زاهي حواس عن صفحات مجهولة من بداياته الأولى، حين كان طفلاً بسيطاً في قرية دمنهور بمحافظة البحيرة، ليصبح لاحقاً واحداً من أشهر علماء الآثار في العالم وأحد أعظم من روى قصة الحضارة المصرية القديمة.
هذه الرحلة التي بدأت من الحي الشعبي الصغير إلى قاعات المتاحف العالمية تحمل في طياتها دروساً ملهمة في الإصرار والعلم وحب المعرفة.
طفولة بسيطة وطموح لا يعرف الحدود
وُلد زاهي حواس عام 1947 في أسرة متوسطة الحال، حيث تعلّم مبكراً أن النجاح لا يأتي إلا بالمثابرة.
ولم يكن أحد يتخيل حينها أن الطفل الذي يلعب في شوارع المدينة القديمة سيصبح «حارس الآثار المصرية» الذي وقف أمام أعتى منصات الإعلام العالمية يدافع عن الحضارة الفرعونية.
وكان والده يحلم بأن يصبح ابنه مهندساً أو طبيباً، لكن شغف الطفل الصغير كان يسير في طريق مختلف تماماً.
الكتب أولاً.
حين كانت القراءة وسيلة البقاء.
أوضح حواس أنه منذ نعومة أظافره كان يحرّم على نفسه بعض الملذات البسيطة، ويستبعد كل قرش من مصروفه اليومي ليشتري به الكتب والقصص المتنوعة.
لم يكن في ذلك تضحية صغيرة، بل كان قراراً واعياً في سن مبكرة جداً، حيث آمن بأن المعرفة هي السلاح الوحيد الذي يُغني الفقير ويجعل العادي استثنائياً.
لم تقتصر قراءاته على كتب التاريخ والآثار فحسب، بل امتدت إلى الأدب والروايات العالمية، ما وسّع مداركه وبنى حصيلته الثقافية منذ الصغر.
ثلاثة كيلومترات من الحب.
سينما الأقدام.
لم يتوقف شغفه عند الكتب الورقية، بل امتد إلى الفن السابع.
وكشف عن مواقف طريفة ومجهدة كان يقوم بها في طفولته لحضور أفلام السينما، مؤكداً أنه لم يتردد في قطع مسافات طويلة تقارب ثلاثة كيلومترات ذهاباً وإياباً على قدميه للوصول إلى دار العرض السينمائي.
هذا الشغف بالصورة والقصص لم يكن مجرد تسلية، بل كان بمثابة تدريب سري على رواية الحكايات التي أصبح عنواناً بارزاً في طريقة تقديمه للآثار أمام العالم.
من الأكاديمية إلى العالمية
بعد سنوات من الاجتهاد، التحق حواس بدراسة الآثار في جامعة القاهرة، ثم نال منحاً دراسية في الولايات المتحدة، ليختار تخصصه النادر في علم المصريات الذي أصبح شغفه الأكبر.
وبفضل إخلاصه، تولّى مناصب رفيعة أبرزها منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر، ثم مديراً لمنطقة الجيزة الأثرية، حيث أشرف على أهم الاكتشافات التي أعادت كتابة تاريخ الأهرامات وأبو الهول.
دروس ملهمة للجيل الحاضر
ذكريات زاهي حواس ليست مجرد حكايات نوستالجيا، بل رسالة واضحة لأبناء الجيل الحالي: أن الفقر والصعوبات ليست عائقاً أمام الطموح، وأن حب القراءة والإصرار قد يفتحان أبواباً لم يحلم بها أحد.
من طفل يحرص على قرشه إلى عالم يُزاحم كبار الجهات الدولية للحفاظ على آثار وطنه، تبقى قصة زاهي حواس نموذجاً حياً على أن الحضارة تُبنى بالأمل والعمل لا بالمال وحده.

التعليقات