التخطي إلى المحتوى

مصطفى بكري: الدولة القوية تُبنى بالمؤسسات لا بالأشخاص

في تصريحات سياسية بارزة أثارت تفاعلاً واسعاً في الشارع المصري، شدد الكاتب الصحفي والإعلامي مصطفى بكري على أن بناء الدول القوية واستقرارها المستدام لا يعتمد أبداً على الأشخاص مهما كانت قوتهم أو شعبيتهم أو كاريزمتهم، بل يستند بشكل أساسي إلى صلابة المؤسسات وسيادة القانون.

وجاءت هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الساحة الإقليمية والدولية تحولات متسارعة تعيد طرح السؤال القديم المتجدد: ما الذي يجعل الدولة تصمد أمام الأزمات؟.

سر الاستقرار الحقيقي في الدول

أوضح بكري خلال تحليله للمشهد السياسي أن قوة الحاكم وحدها لا تكفي لصناعة مستقبل آمن لأي أمة، مشيراً إلى أن العبرة الحقيقية تكمن في قدرة مؤسسات الدولة على الصمود والعمل بكفاءة عالية واستمرارية تامة بغض النظر عن القيادات التي تتبدل، فالأشخاص راحلون والدولة ومؤسساتها باقية.

وفي هذا السياق، يرى خبراء العلوم السياسية أن مفهوم «استمرارية الدولة» يقوم على ثلاث ركائز أساسية: البنية القانونية التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والمؤسسات الرقابية المستقلة القادرة على محاسبة المسؤولين، والإرادة الشعبية الواعية التي تدرك الفرق بين حب القائد وحب الوطن.

فالدول التي نجت من أزمات عاصفة — كأزمة عام 2008 المالية العالمية أو جائحة كورونا — كانت تلك التي تمتلك مؤسسات قادرة على اتخاذ قرارات سريعة ومتماسكة، لا تلك التي اعتمدت على قرارات فردية مركزية.

دروس التاريخ وقوة القانون

وأضاف الإعلامي المصري أن قراءة متأنية لتجارب الأمم عبر التاريخ تؤكد أن الدول التي تسقط هي تلك التي تربط مصيرها بأشخاص وتهمش دور القانون والمؤسسة التشريعية والرقابية، لافتاً إلى أن تفعيل سيادة القانون هو الضمانة الوحيدة لحماية حقوق المواطنين وعبور أي أزمات محتملة.

وتقدم التجارب التاريخية شواهد واضحة على هذه الفكرة؛ فالإمبراطوريات القديمة التي ازدهرت في عهد قائد واحد غالباً ما انهارت بعده مباشرة بسبب غياب مؤسسات قادرة على إدارة الفراغ السياسي، بينما استمرت دول أخرى بفضل دساتير راسخة وهيئات تشريعية فاعلة.

كما أن الاقتصاد الوطني نفسه يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا المبدأ، إذ إن الاستثمار والتنمية لا يزدهران إلا في بيئة قانونية مستقرة تطمئن المستثمر والمواطن على حد سواء بأن الحقوق محفوظة بغض النظر عن تغيّر الحكومات.

المؤسسات كحائط صد أمام الفوضى

ويؤكد المبدأ الذي طرحه بكري أن المؤسسات القوية تعمل كحائط صد أول أمام محاولات الفوضى والانهيار، فهي التي تفرز القيادات بدلاً من أن تنتجها الصدفة، وهي التي تحوّل الطموحات الفردية إلى سياسات عامة خاضعة للمساءلة.

وبهذا المعنى، فإن الاستثمار في بناء المؤسسة — من التعليم والقضاء والإعلام والجهاز الإداري — ليس ترفاً فكرياً، بل هو أعلى أشكال الأمن القومي وأكثرها دواماً.

وتبقى رسالة الإعلامي المصري موجّهة إلى النخبة والرأي العام معاً: أن الوطن لا يُبنى بأسماء الأشخاص، بل بثوابت القانون ومؤسساته، وأن أي حديث عن استقرار حقيقي لا يمكن أن يكتمل دون سيادة قانون تُطبَّق على الجميع بلا استثناء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *