في مشهد بات يتكرر مع كل استحقاق سياسي داخلي، استيقظت مدينة نابلس وقراها المحيطة صباح اليوم الثلاثاء على وقع اقتحامات عسكرية واسعة نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بالتزامن مع انطلاق ماراثون انتخابات الكنيست الإسرائيلي.
وتُقرأ هذه التحركات الميدانية في السياق الفلسطيني كترجمة عملية لسياسات التصعيد المستمرة، وللرغبة في تصدير الأزمات الداخلية الإسرائيلية إلى الساحة الفلسطينية عبر مزيد من الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني ومقدراته التاريخية والإنسانية.
اقتحامات واسعة وإطلاق نار في محيط نابلس
أكدت مصادر محلية ميدانية أن الآليات العسكرية الإسرائيلية اقتحمت عدة مناطق في محيط مدينة نابلس، وسط إطلاق نار كثيف واستفزازات متعمدة للمواطنين، في مشهد تتعمد فيه قوات الاحتلال فرض حالة من الرعب والترهيب على السكان المدنيين.
وتزامنت هذه الاقتحامات مع حالة الاستنفار الأمني التي تشهدها إسرائيل في يوم الانتخابات، حيث تتجه الأنظار إلى الساحة السياسية الإسرائيلية بينما تُترك البوابات العسكرية للتنقل بحرية في الأحياء الفلسطينية.
ويشير مراقبون إلى أن توقيت هذه الحملات ليس عشوائياً؛ فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة درجت على استخدام الملف الأمني كأداة انتخابية، إذ تُوظَّف العمليات الميدانية ضد الفلسطينيين لإرضاء قواعد سياسية متشددة، بينما يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن باهظاً من أمنهم اليومي وحياتهم.
هدم «صرح الشهداء» في قرية مادما
وفي تطور ميداني خطير، أقدمت جرافات الاحتلال خلال اقتحامها لقرية مادما، الواقعة إلى الجنوب من مدينة نابلس، على هدم وتجريف «صرح الشهداء» بشكل كامل، في محاولة لطمس الذاكرة الوطنية وكسر إرادة الصمود لدى أهالي المنطقة.
ولا يقتصر أثر هذا الهدم على الجانب العمراني، بل يمتد إلى بعده الرمزي العميق؛ إذ تمثل أصرحة الشهداء في القرى والبلدات الفلسطينية مساحات للذاكرة الجماعية ومراكز لتوثيق أسماء الضحايا ورواياتهم، وتُعد بمثابة شاهد حي على تاريخ لا يُمكن تجريفه بالجرافات.
وقد أثارت عملية الهدم موجة غضب واسعة بين المواطنين، الذين أكدوا تمسكهم بتاريخهم وهوامش عزتهم مهما كانت التضحيات والاعتداءات.
الذاكرة كساحة صراع
يحتل مفهوم الذاكرة في الخطاب الفلسطيني موقعاً مركزياً، إذ تُعد الهوية التاريخية والرواية الشعبية من أهم أدوات الصمود في مواجهة محاولات المحو.
وتُدرج عمليات هدم النصب التذكارية والمقابر والمواقع الرمزية ضمن ما يُعرف بـ«إدارة الصراع» على المستوى الرمزي، حيث يُحاول الاحتلال ضرب الروابط بين الأجيال وقطع الصلة بين الفلسطيني وماضيه.
وفي هذا الإطار، يؤكد ناشطون أن كل عملية هدم تُنتج حالة من التلاحم الاجتماعي بدلاً من التفكك، إذ تشهد القرى الفلسطينية، ومنها مادما، مبادرات لإعادة بناء وإحياء هذه المواقع من جديد، ما يعكس أن الإرادة الشعبية تتجاوز حدود الإسمنت والحجر إلى ممارسة يومية لإثبات الوجود.
تحذيرات من تصعيد أوسع
ومع استمرار الاقتحامات اليومية، تتصاعد التحذيرات من انزلاق الأوضاع إلى تصعيد أوسع في الضفة الغربية، لا سيما في ظل تنامي عمليات المستوطنين والاعتداءات على البلدات والقرى الفلسطينية.
ويطالب الأهالي والمؤسسات الحقوقية بضرورة توفير الحماية الدولية للمدنيين، والعمل على توثيق الانتهاكات وملاحقة مرتكبيها، مؤكدين أن استمرار الصمت الدولي يمنح الاحتلال مزيداً من الجرأة على التمادي في سياساته.
وفي المحصلة، يبقى المشهد في نابلس وقراها صورة مصغرة للواقع الفلسطيني: انتخابات تُدار خلف جدران، وجرافات تعمل في الأحياء، وأهالٍ متمسكون بذاكرتهم مهما بلغت التضحيات.

التعليقات