في واحدة من أبرز الشهادات القضائية في تاريخ القضاء المصري، كشف المستشار محمد شيرين فهمي عن تفاصيل وكواليس واحدة من أبشع الأحداث الإرهابية التي شهدتها سيناء، والمعروفة إعلامياً بـ«مذبحة رفح الثانية»، وهي القضية التي هزّت وجدان الشعب المصري وأسفرت عن استشهاد 25 جندياً من القوات البرية والبحرية والجوية، وظلت لسنوات محفورة في ذاكرة الوطن كرمز للغدر الإرهابي، ودليل على نجاح العدالة المصرية في الوصول إلى الجناة.
شهادة قضائية تكشف خفايا المذبحة
جاءت هذه الشهادة في إطار سرد تفصيلي لمسار التحقيقات والمحاكمة، أوضح خلاله المستشار أن هيئة المحكمة اعتمدت على منظومة متكاملة من الأدلة المادية والتقنية، وليس على الاعترافات وحدها، وهو ما أعطى الأحكام قوة قانونية استثنائية أمام مراحل الطعن.
الأدلة القاطعة والتسجيلات الصوتية: كيف أطاحت بزعيم الإرهاب؟
أشار المستشار إلى أن هيئة المحكمة استندت بشكل أساسي إلى حزمة من الأدلة الدامغة، وفي مقدمتها التسجيلات الهاتفية التي رُصدت بدقة متناهية،والتي كشفت عن تفاصيل التخطيط والتنفيذ وتوزيع الأدوار بين العناصر الإرهابية.
لعبت التقنيات الحديثة والجهود الأمنية المشتركة دوراً محورياً في فك طلاسم الجريمة، ورسم خريطة تحركات المتهم الرئيسي عادل حبارة، وتحديد موقعه بالتحديد لحظة ارتكاب المذبحة، وهو ما قطع الطريق أمام أي محاولة للمراوغة أو الإنكار أمام منصة القضاء.
وعادةً ما يُعد «الدليل الرقمي» في مثل هذه القضايا عصياً على الطعن، لأنه يوثّق الواقعة في زمانها ومكانها دون تدخل بشري في صياغته.
لحظات الدمار: كواليس مروعة من أرض الواقع
تطرق السرد القضائي إلى تفاصيل بالغة القسوة حول طريقة تنفيذ الجريمة، حيث أشار إلى الأسلوب الوحشي الذي اتبعته العناصر الإرهابية في التعامل مع الجنود، وكيف فرضت سيطرتها بالخداع والسلاح قبل ارتكاب الجريمة التي انتهت بسفك الدماء على رمال سيناء.
وتكشف هذه التفاصيل عن حجم العشوائية التي تحكم جماعات العنف، وعدم اكتراثها بأبسط معايير الإنسانية أو القيم الدينية، وهو ما يعزز أهمية المواجهة الشاملة لهذه الجماعات أمنياً وفكرياً.
دلالات القضية في مواجهة الإرهاب
لم تكن «مذبحة رفح الثانية» مجرد حادث إرهابي عابر، بل كانت نقطة تحوّل في طريقة تعامل الدولة المصرية مع التنظيمات المتطرفة في سيناء، إذ دفعت إلى تطوير منظومة جمع المعلومات والتحليل الجنائي الرقمي، وإلى التنسيق بين الأجهزة الأمنية والنيابة العامة والمحاكم.
كما أكدت القضية أن استكمال التحقيقات حتى النهاية، رغم تعقيد ظروف سيناء، يمثل ضمانة أساسية لعدم إفلات الجناة، وأن تقديم الدليل العلمي أمام المحكمة يبقى السبيل الأقوى لتحقيق العدالة وردّ الاعتبار لأسر الشهداء.
قصاص عادل وإسدال الستار على أوراق القضية
تكلّلت الجهود القضائية والأمنية في النهاية بإصدار حكم نهائي وباتّ بإعدام الإرهابي عادل حبارة، وهو الحكم الذي تم تنفيذه، ليقفل الباب على حقبة مظلمة مثّلها هذا الشخص وأعوانه.
وأكدت المحكمة أن دماء شهداء الواجب لم تذهب هدراً، وأن القضاء المصري يظل الحصن الذي يحمي الوطن من أي محاولة للمساس بأمنه واستقراره، وأن سيادة القانون كانت وستظل الخيار الأول في مواجهة الإرهاب.
ومن أبرز الدروس المستخلصة من هذه القضية أن العدالة عندما تُبنى على أدلة موثقة وتحقيقات دقيقة، فإنها تصبح رسالة رادعة لكل من تسوّل له نفسه الاعتداء على أمن المجتمع وسلامة أبنائه، وأن التضحية التي قدّمها الشهداء ستظل محفورة في ذاكرة الوطن ووجدان أبنائه.

التعليقات