في تأكيد جديد على أن قضية المياه تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على القيمة الاستراتيجية لكل قطرة مياه على أرض مصر، مشيراً إلى أن الدولة لم تتعامل مع ملف الموارد المائية يوماً ما بوصفه ملفاً تقنياً فحسب، بل باعتباره مسألة وجودية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي والتنمية الاقتصادية واستقرار المجتمع.
لقاء الاتحادية.
رسالة سياسية قبل الأرقام.
جاءت تصريحات الرئيس خلال استقباله في قصر الاتحادية عدداً من الوزراء وكبار المسؤولين ورؤساء الوفود الدولية المشاركة في فعاليات الدورة التاسعة لأسبوع القاهرة للمياه 2026، وهو توقيت يمنح الرسالة بعداً دبلوماسياً واضحاً، إذ يجمع بين الطرح الفني للمشروعات والموقف السياسي المصري من قضايا المياه العابرة للحدود.
وخلال اللقاء، أوضح الرئيس أن الدولة نجحت في الوصول بمعدلات إعادة استخدام المياه إلى نحو 23 مليار متر مكعب سنوياً، وهو رقم يعكس حجم التخطيط العلمي والجهد المؤسسي المبذول لمواجهة التحديات المائية الوراثية والجغرافية التي تواجه البلاد.
لماذا 23 مليار متر مكعب؟ قراءة في الأرقام
يُفسَّر هذا الرقم الضخم في ضوء أن الموارد المائية المتجددة في مصر تقدر بنحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، في حين تتجاوز الاحتياجات الفعلية 110 مليارات متر مكعب، ما يعني وجود فجوة تُغطى عبر الاستيراد الغذائي وإعادة الاستخدام والموارد غير التقليدية.
وبناءً على ذلك، فإن إعادة استخدام نحو 23 مليار متر مكعب تمثل ما يقارب خُمس الموارد المتاحة، وهي نسبة تقترب من المعدلات التي توصي بها المنظمات الدولية كحد أعلى للاستخدام المستدام.
وتتنوع مصادر هذه الكميات بين مياه الصرف الزراعي المعالجة في محطات المحافظات، ومياه الصرف الصحي المعالجة الثلاثية التي تُعاد للري في مشروعات مثل الدلتا الجديدة وسيناء، إضافة إلى مياه الصرف الصناعي المعالجة في عدد من المناطق الصناعية.
مشروعات كبرى تحت مظلة الاستراتيجية الوطنية
ترتكز الاستراتيجية المصرية لإدارة المياه حتى عام 2050 على أربعة محاور متكاملة: ترشيد الاستخدام، وتعظيم الموارد، وتحلية مياه البحر، وتحديث منظومة الري.
وفي هذا الإطار، تُعد محطة بحر البقر للتحلية والمعالجة من أكبر محطات معالجة مياه الصرف الزراعي في العالم، إلى جانب محطة الحمام لمياه الصرف الصحي، ومشروع الدلتا الجديدة الذي يعتمد بشكل أساسي على المياه المعاد استخدامها.
كما تتجه الدولة بقوة نحو التحلية، حيث تستهدف الوصول إلى طاقة تحلية تصل إلى نحو 8.8 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2050، من خلال محطات تعمل بالطاقة المتجددة لتقليل التكلفة والانبعاثات، وتشمل محافظات مطروح والبحر الأحمر وشمال سيناء.
الري الحديث وتطوير شبكة الترع
لم يقتصر الجهد على جانب العرض، بل امتد إلى جانب الطلب عبر توسيع نطاق التحول إلى أنظمة الري الحديث بالرش والتنقيط في الأراضي الرملية والبستانية، وتأهيل آلاف الكيلومترات من الترع بتكلفة تتجاوز عشرات المليارات من الجنيهات، بهدف تقليل الفاقد الناتج عن التسرب والبخر وتحسين كفاءة التوصيل إلى الحقول، إلى جانب تبطين الترع والتحول الرقمي في إدارة المنظومة عبر أنظمة القياس الذكي والتحكم عن بعد.
أسبوع القاهرة للمياه.
منصة عالمية للحوار.
يُعد أسبوع القاهرة للمياه واحداً من أهم الفعاليات الدولية التي تسلط الضوء على قضايا المياه في المنطقة العربية وأفريقيا والعالم، حيث يجمع الخصائص الفنية والسياسية لصياغة مستقبل أفضل لإدارة الموارد المائية.
وقد ناقش الحضور خلال اللقاء آفاق التعاون المشترك وتبادل الخبرات التكنولوجية الحديثة في مجالات التحلية والري الحديث وإدارة الأحواض المائية المشتركة، بما يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة ويحقق أهداف التنمية المستدامة في مصر ويربطها بالهدف السادس من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة الخاص بالمياه النظيفة والصرف الصحي.
وتُتيح النسخة التاسعة من الفعالية فرصاً لشركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية للاطلاع على حزمة المشروعات المصرية في مجالات المياه والري، إلى جانب مناقشة تحديات التغير المناخي وأثرها على منابع الأنهار ومعدلات التساقط، وتعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الأحواض المشتركة على أساس مبادئ القانون الدولي.
رسالة إلى الداخل والخارج
يمكن تلخيص دلالة هذه التصريحات في أن مصر تقدم نموذجاً يقوم على معالجة الواقع بدل انتظار تغيّره، من خلال تحويل محدودية الموارد إلى فرصة للتكنولوجيا والبحث العلمي، والربط بين الأمن المائي والأمن الغذائي في إطار رؤية تنموية شاملة، وهو ما يجعل من تجربة إعادة استخدام المياه المصرية مرجعاً يمكن الاستفادة منه في دول تعاني شحاً مائياً مماثلاً.

التعليقات