«كود بشري» يعود بموسم ثانٍ: عندما تصبح شيفرة البرمجة مدخلًا لفهم الإنسان
في مشهد إعلامي عربي تتكاثر فيه البرامج الحوارية التقليدية وتتشابه قوالبها، يختار برنامج «كود بشري» طريقًا مختلفًا؛ طريقًا يعبر حدود الاستوديو المغلق إلى مساحة أرحب تلتقي فيها الثقافة النفسية والاجتماعية بفنون السرد السينمائي.ومع انطلاق موسمه الثاني، تواصل الإعلامية والكاتبة اسما الكردي تعاونها مع المخرج ناصر عبدالحفيظ، في تجربة تُنتجها شركة «بزنس جات»، وتستثمر الإمكانات البصرية للذكاء الاصطناعي لتحويل الأفكار الإنسانية المجردة إلى مشاهد درامية وصور نابضة بالمعنى.
فكرة البرنامج: البرمجة أداةً لفهم التواصل البشري
ينطلق «كود بشري» من استعارة ذكية تستعير مفردات عالم البرمجيات لقراءة العلاقات الإنسانية؛ فاختلاف أنماط التفكير والتعبير بين الرجل والمرأة يتحول إلى «شيفرات» تحتاج إلى قراءة واعية، بينما تبدو الخلافات اليومية أشبه بأخطاء برمجية بسيطة يمكن تجاوزها بالحوار والإنصات المتبادل.وبهذا التبسيط المدروس، يقدّم البرنامج زاوية جديدة لفهم الآخر بعيدًا عن التنميط أو اختزال العلاقة في صراع أبدي بين طرفين.
مسار الحلقات: من «شفرة الاختلاف» إلى «التشفير والتواصل»
افتتحت الحلقة الأولى، «شفرة الاختلاف بين الرجل والمرأة»، بابًا لتفسير التباين في ردود الأفعال العاطفية وأساليب مواجهة المشكلات، لتنطلق بعدها المعالجة نحو الحلقة الخامسة، «التشفير والتواصل»، التي تتناول المسافة بين المعنى المقصود والكلمات المنطوقة، وكيف تتحول التلميحات والتوقعات المكتومة إلى مصدر لسوء الفهم بين الشريكين.وتعتمد الحلقة على مواقف مألوفة من الحياة اليومية لتصل إلى خلاصة واضحة: أن التعبير المباشر عن الاحتياجات، مع الإنصات الجيد والانتباه إلى المشاعر، هو الطريق الأنضج لبناء الثقة والتفاهم.وتُطرح كل هذه الأفكار بلغة مبسطة تستند إلى الاستعارات التقنية، دون أن تسقط في تعميم يوحّد بين تجارب الأفراد، إذ يبقى الاختلاف الشخصي والتجربة الفردية عنصرين أساسيين في فهم أي علاقة.
اسما الكردي: صوت أدبي يتحول إلى أداء إعلامي
تقف خلف هذا المشروع شخصية تجمع بين الرصانة الأكاديمية والحس الأدبي والحضور الإعلامي.فاسما الكردي، واسمها الكامل أسماء زكي عبد المنعم محمد، حاصلة على ليسانس الآداب من جامعة القاهرة، قسم اللغات الشرقية، شعبة اللغة العبرية، بتقدير جيد جدًا، إلى جانب تأهيل متخصص في الإعداد والتقديم الإذاعي والتلفزيوني والتعليق الصوتي والدوبلاج والأداء الوثائقي والإخباري.ولم تكن الكتابة الأدبية بعيدة عن مسارها؛ فقد أصدرت عملها الفردي «همسات حائرة» عام 2022 عن دار عين حورس، وشاركت في العمل الجماعي «مشاعر»، كما نالت المركز الأول في مسابقة شعرية بجامعة القاهرة عام 2017.
وتظهر هذه الخلفية بوضوح في إعدادها وتقديمها للبرنامج، حيث تتنقل بنبرة هادئة وتدرجات صوتية مدروسة تقرّب المفاهيم النفسية والتقنية من المتلقي بلغة مؤثرة وواضحة.
ناصر عبدالحفيظ: حين تصبح الصورة شريكًا في بناء المعنى
أما على مستوى الإخراج، فيتعامل ناصر عبدالحفيظ مع البرنامج بوصفه عملًا بصريًا متكاملًا يتجاوز حدود الاستوديو التقليدي.فالصورة لديه لا تكتفي بشرح ما يُقال، بل تشارك في صناعة المعنى عبر مشاهد درامية وتجسيدات بصرية تستلهم عالم التكنولوجيا والخيال العلمي، وتترجم الانفعالات والصراعات النفسية إلى تكوينات سينمائية.ويتيح توظيف الذكاء الاصطناعي تنويع البيئات البصرية والتنقل بين الواقع والتخيل وتقديم صور رمزية للعقل البشري وأنماط التواصل، مع بقاء الرؤية الفنية هي الفيصل في اختيار المشاهد وتحديد إيقاعها ودلالاتها.
وتكمن خصوصية هذا التعاون في لقاء صوت يمتلك حسًا تأمليًا أدبيًا مع إخراج ينظر إلى السينما كوسيلة للشرح والتأثير، لا كزينة جمالية فحسب.
«بزنس جات»: إنتاج يخدم الرؤية الإبداعية
يشكّل حضور شركة «بزنس جات» بصفتها الشركة المنتجة للبرنامج ركيزة أساسية في البناء الإنتاجي للتجربة.فالمشروع لا يعتمد على الحوار وحده، بل يستثمر الصورة الدرامية والتقنيات الرقمية في معالجة موضوعات العلاقات الإنسانية بأسلوب يجمع بين التبسيط والتأمل والجاذبية البصرية.
وتتكامل عناصر العمل بين إعداد وتقديم اسما الكردي، ورؤية ناصر عبدالحفيظ الإخراجية، وإنتاج «بزنس جات»، لتشكيل هوية فنية تقوم على تفاعل المحتوى والأداء والصورة، مع توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة إبداعية داعمة.
حضور صحفي يواكب تطور التجربة
وقد رصدت تغطيات صحفية متعددة خلال أكتوبر 2026، من بينها منصات «صدى العرب» و«السوق العربية المشتركة» و«مصر الآن» و«صوت العرب للسينما والثقافة والفنون» و«صدى الأخبار»، ملامح هذا التطور، مركزة على انطلاق الموسم الثاني، وتوظيف التقنيات الحديثة، والتكامل بين مقدمة البرنامج ومخرجه.كما أشارت التغطيات إلى إنجاز خمس حلقات من موسم يضم عشر حلقات، وهو ما يعكس استمرار العمل على تطوير الهوية الفنية للبرنامج، ويفتح نقاشًا أوسع حول مستقبل البرامج الثقافية والاجتماعية وفرص الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تقديم محتوى عربي يجمع بين المعرفة والفن.
الإنسان أولًا… والتكنولوجيا وسيلة
في جوهره، لا يتعامل «كود بشري» مع التكنولوجيا كغاية، بل يستخدم مفرداتها لطرح أسئلة إنسانية قديمة ومتجددة: لماذا يسيء بعضنا فهم بعضنا الآخر؟ وكيف تتحول النوايا الطيبة إلى خلافات؟ وهل يستطيع الوعي والإنصات إعادة بناء الجسور بين الناس؟وبين أداء اسما الكردي الإعلامي، ورؤية ناصر عبدالحفيظ السينمائية، وإنتاج «بزنس جات»، يواصل البرنامج البحث عن صيغة معاصرة تجعل من الشاشة فضاء للفهم والتأمل والحوار، وتضع الإنسان بمشاعره وتناقضاته واحتياجاته في قلب الحكاية.وهي تجربة تستمد قيمتها من محاولتها الجمع بين رسالة معرفية واضحة ولغة بصرية متجددة، في زمن تتسارع فيه أدوات صناعة المحتوى، وتبقى فيه القدرة على التواصل الإنساني أحوج ما يكون إلى الفهم والعناية.

التعليقات