التخطي إلى المحتوى

لم تكن مشاهد الانتظار في صالة الوصول رقم 3 بمطار بن غوريون الدولي مساء الأحد مشاهد عادية من مشاهد العودة من رحلات الخارج، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر اللحظات توتراً في العلاقة بين المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والجماعات الحريدية المتشددة.

فبمجرد هبوط طائرة العودة من مدينة نيويورك، التي كانت تقل عشرات الطلاب المنتمين إلى مدارس دينية متشددة، تحرّكت فرق مشتركة من الوحدة الخاصة بشرطة الحدود وشرطة المطارات والإدارة المدنية للجيش، ونفّذت خطتها المحكمة بتعقّب لوائح أسماء مدرجة مسبقاً في نظام الرقابة الحدودية، وأوقفت الشبان فور دخولهم بوابة الوصول.

ماذا حدث بالأرقام: العملية تشريحياً

حسب المعطيات التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام، كانت العملية نتيجة أشهر من التحضير والتنسيق بين إدارة التجنيد ومراقبة الحدود، وقد جاءت بعد قرار المجلس الأعلى للقضاء في تل أبيب بإلزام السلطات التنفيذية بتطبيق قانون الخدمة العسكرية الإجبارية بشكل متساوٍ على قطاع شمل حتى ذلك الحين استثناءات واسعة بموجب ترتيبات تاريخية منذ قيام الدولة.وقد شملت العملية أرقاماً لافتة:
  • أكثر من خمسين شاباً تم توقيفهم في الصالة على مدى ساعات متأخرة.
  • تصنيف ثلاثين منهم كـ«متخلّفين عن التجنيد» بشكل مؤكد وفق القوائم المسبقة.
  • ترحيل عشرة منهم إلى قاعدة عسكرية قريبة لاستكمال إجراءات التجنيد القسري.
  • إطلاق الباقين بكفالات وضمانات ومواعيد محددة للمثول أمام لجان التجنيد خلال 72 ساعة.
وقد صرّح مسؤول في الشرطة الإسرائيلية بأن «التوقيف في لحظة العودة لا يهدف إلى العقاب بقدر ما يهدف إلى إغلاق كامل ثقافة التهرّب وقطع كل خطوط الهروب، ومواجهة الإفلات المنظم من أداء الواجب الوطني».

جذور الأزمة: قانون التجنيد بين الاستثناء والمساواة

لفهم ما يجري في صالات المطار، لا بد من استعادة السياق التاريخي للأزمة.

فقد منحت إسرائيل في الخمسينات من القرن الماضي إعفاءً فعلياً من التجنيد لطلاب المدارس الدينية، في إطار صفقة سياسية بين دافيد بن غوريون الحاخامات الأرثوذكس.

ثم تضخّم عدد هؤلاء حتى وصل إلى أكثر من 66 ألف شاب في سن التجنيد، وهو ما دفع المحكمة العليا في عام 2017 إلى تحصيل قانون التسوية الذي ألغاه، ثم جاء إلغاء «قانون التجنيد» في مارس/آذار 2024 بعد قرار المحكمة بعدم دستوريته، ليعزف القضاء الإسرائيلي في أبريل 2024 من جديد تمديد الإعفاءات، فسارعت المؤسسة العسكرية إلى البدء في إصدار أوامر تجنيد بحق عشرات الآلاف من طلاب المعاهد.وحسب أرقام الجيش الإسرائيلي، يبلغ عدد الشبان الحريديم المستهدفين بالتجنيد أكثر من 60 ألف شخص، بينما لا يستجيب للأوامر المطروحة إلا نسبة صغيرة لا تتجاوز بضعة آلاف سنوياً، مما يخلق فجوة عميقة في صفوف الجيش الذي يعاني أصلاً من إجهاد الاحتياط بعد أكثر من عامين من القتال المتواصل على أكثر من جبهة.

الحريديم والقانون: من المقاطعة إلى التظاهر

على الجانب الآخر، يعتبر الزعماء الحريديون أن التجنيد القسري يهدد هوية الشباب الديني، حيث يقول الحاخامات إن «القيامة الروحية للشعب اليهودي تقوم على حفظ التوراة، ومن يتركون بيوت الدراسة يضعون أساس الوجود الإسرائيلي بالخطر»، وهم يرون في التطبيق المساواة عثرة كبرى للعالم الديني.

وعلى الرغم من خطة وزير الدفاع السابقة يسرائيل كاتس، التي حاولت تجنيد 4800 حريدي دفعة أولى عام 2024، إلا أن نسبة الاستجابة ظلت ضعيفة، وازدادت حدة الصدامات داخل بني براك وأشدود والقدس، حيث خرجت مسيرات غاضبة أغلقت طرقاً سريعة واشتبكت مع الشرطة، ووصل الأمر إلى محاولات من مئات الحريديم اقتحام قاعدة عسكرية في محيط تل أبيب رفضاً للاعتقالات.

مطار بن غوريون: ساحة مواجهة جديدة

ما يجعل حادثة المطار مختلفة هو أنها نقلت المواجهة من شوارع المدن الحريدية إلى نقطة العبور الحدودية، حيث توجد بيانات دقيقة ورقابة رقمية تسمح بتعرّف فوري على الهويات.

وقد أعلنت الجهات الرقابية أن المطار بات الوسيلة الأكثر فعالية في ضبط شبكات التهرب، بفضل خطط «المتابعة الرقمية» التي تتيح مقارنة قوائم المسافرين بأوامر التجنيد العالقة.

وتُشير تقارير إعلامية إلى أن مئات من حالات التوقيف نُفّذت في المطار خلال الشهر الماضي وحده، في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تعزيز التعاون مع سلطات الهجرة، عبر منع المطلوبين من السفر، وإلغاء تأشيرات دخول بعضهم، ومطالبة شركات الطيران ببيانات أسماء ووثائق الركاب قبل الإقلاع.ويرى مراقبون أن هذا النهج قد يتحول إلى أداة خطرة على المدى الطويل، فإذا كان «الإعفاء من التجنيد» سابقاً قائماً على سكوت إداري وقرار سياسي، فإن تحويله الآن إلى ملاحقة انتقائية في المطارات يخلق إحساساً لا بالمساواة بل بالاستهداف، وهو ما قد يُضعف ثقة قطاعات عريضة من المجتمع الإسرائيلي في النظام القضائي، ويزيد من تعقيد الموقف أمام الحكومة التي تقف بين ضغوط الشارع الديني وضغط شركاء الائتلاف اليميني الداعم لاستمرار الإعفاءات.

ما بعد المطار: حرب على جبهتين

تبدو الأزمة اليوم بمثابة حرب على جبهتين: جبهة داخلية تُمزّق المجتمع، وجبهة استراتيجية يخوضها الجيش وسط متطلبات أمنية متصاعدة.

فمن جهة، تجد المؤسسة العسكرية نفسها مجبرة على ملاحقة من يتهرب من التجنيد في ذات اللحظة التي تحتاج فيها كل جندي إلى جبهاته، ومن جهة أخرى، فإن أي تصعيد ضد الحريديم يهدد بانهيار توازنات الائتلاف الحكومي، حيث يتصدر زعماء الحريديم مطالب إسقاط الحكومة إذا استمرت اعتقالات طلاب المعاهد.وفي ضوء الأرقام التي تفيد بأن 110 آلاف إسرائيلي يعتبرون اليوم متهربين من الخدمة العسكرية أو متخلّفين عن أدائها، يصبح واضحاً أن مشكلة التجنيد ليست قانونية فقط، بل وجودية، إذ تتعلق بمدى قدرة «جيش الشعب» على البقاء جيشاً للشعب بالكامل، وبمدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتقاسم أعباء الدفاع، وهو السؤال الذي سترهق إجابته الكلفة قبل أن يجد لها حل وسط يسهل استيعابه.المصادر: تقارير إعلامية إسرائيلية حديثة حول اعتقالات مطار بن غوريون، بيانات حول أزمة التجنيد في إسرائيل، وقرارات المحكمة العليا بشأن قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية [ref:1,2][ref:4,5][ref:3,10].

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *