لم يكن مهرجان الجونة السينمائي في دورته الأخيرة مجرد منصة لعرض الأفلام وتكريم صناعها، بل تحول إلى ساحة جدل واسع بعد أن أطلقت النجمة اللبنانية سينتيا خليفة انتقادات حادة تجاه أحد الأعمال المشاركة، وهو الفيلم الذي حمل عنوان «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win) للمخرجة اللبنانية الفرنسية دانيال عربيد.
وسرعان ما تحولت تصريحاتها إلى حديث الساعة على منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، وسط انقسام واضح بين مؤيد ومعارض.
سينتيا خليفة تفتح النار على فيلم «لمن يجرؤ»
عبّرت الفنانة سينتيا خليفة عن استيائها الشديد عقب مشاهدتها العرض الخاص للفيلم، مؤكدة أن العمل بشكله ومضمونه الحالي لا يعكس الثقافة اللبنانية الحقيقية، ولا يقدّم الصورة المشرفة التي تستحقها لبنان في المحافل السينمائية الدولية.
واعتبرت أن ما شاهدته يبتعد عن الواقع اللبناني بكل تعقيداته وغناه الثقافي، وهو ما دفعها للخروج بتصريح جريء لم تتجنب فيه المواجهة.
ولم تقتصر ردود الفعل على الجانب الجماهيري فقط، بل امتدت إلى أروقة النقاد وصناع السينما، حيث انقسمت الآراء بين من رأى في كلامها تعبيرًا مشروعًا عن حرية الرأي وحق أي متفرج في تقييم العمل الفني، وبين من اعتبر أن المهرجانات الكبرى مثل الجونة وُجدت أصلًا لتكون فضاءً لتلاقي الثقافات وتقبّل الرؤى الإبداعية المختلفة، بمن فيها أعمال مخرجين عالميين من أصول عربية.
كواليس العرض الخاص والانقسام حول التصريحات
شهد العرض الخاص حالة من التوتر والتفاعل المتباين، إذ تحوّل النقاش بعد انتهاء العرض إلى ما يشبه صالونًا نقديًا مفتوحًا بين الحضور.
ويرى فريق أول أن انتقاد عمل سينمائي بهذه الحدة حق أصيل لكل فنان ومتفرج، وأن النقد لا يعني بالضرورة الإساءة إلى صناع العمل، بينما يرى فريق ثانٍ أن المهرجان الدولي بطبيعته يحتضن التجارب الجريئة والمختلفة، وأن اختلاف الرؤية الإخراجية لا ينبغي أن يُفهم كتشويه للهوية الوطنية.
ويعكس هذا الجدل سؤالًا أعمق يطرح نفسه على الساحة الفنية العربية: إلى أي مدى يمكن للفنان أن ينتقد عملًا يمثل بلده في مهرجان دولي دون أن يُتهم بتقويض حرية الإبداع؟ وهل المهرجانات منصات للاحتفاء فقط، أم أنها ساحات مشروعة للنقاش والاختلاف؟
دانيال عربيد والسينما اللبنانية في المحافل الدولية
يُذكر أن المخرجة دانيال عربيد معروفة بتجاربها السينمائية التي تتناول قضايا الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية في لبنان والمهجر، وهي Themen غالبًا ما تثير جدلًا لأنها تقترب من مناطق حساسة في الذاكرة الجماعية.
ومشاركة أعمال من هذا النوع في مهرجانات دولية تضع السينما اللبنانية أمام اختبار مزدوج: بين حرية التعبير الفني من جهة، وتوقعات الجمهور المحلي الذي يريد صورة تعبّر عنه من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يبقى مهرجان الجونة واحدًا من أهم المنصات السينمائية في المنطقة العربية، إذ يجمع سنويًا صناع أفلام من مختلف أنحاء العالم، ويستضيف ندوات ونقاشات نقدية تسلط الضوء على قضايا الهوية والتمثيل الثقافي في السينما العربية المعاصرة.
وهذا ما يجعل أي جدل داخل أروقته امتدادًا لنقاش أوسع حول دور الفن في تشكيل الصورة الذاتية للمجتمعات.
خلاصة الجدل
في المحصلة، لم يكن الهجوم الذي شنّته سينتيا خليفة على فيلم «لمن يجرؤ» مجرد تصريح عابر، بل فتح بابًا واسعًا للنقاش حول حدود النقد الفني، ومسؤولية السينما في تمثيل الثقافات، وطبيعة المهرجانات الدولية كمساحات للاختلاف لا للتطابق.
وبين مؤيد يرى في كلامها دفاعًا عن صورة لبنان، ومعارض يعتبره تضييقًا على حرية الإبداع، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للسينما العربية أن تحتفي بالتجارب الجريئة دون أن تفقد اتصالها بجمهورها وهويتها؟.

التعليقات