التخطي إلى المحتوى

لم تكن الآثار وحدها يومًا سجلًا كاملًا لتاريخ مصر، ولا القصور والمعابد وحدها خريطة تكشف هوية أهلها؛ فبين ثنايا الحياة اليومية تسكن حكايات لا تقل عمقًا: طبق كشري يلمّ المصريين حول مائدة واحدة، ورقصة تحطيب تستعيد شجاعة الأجداد، وأنغام سمسمية تحمل رائحة البحر وحكايات مدن القناة ووجدان سكانها.

في معرض التراث الثقافي غير المادي الإيبيرو أمريكي الذي استضافه معهد ثربانتس بالقاهرة، لم تظهر مصر بوجهها الأثري المعتاد، بل بوجهها الشعبي الصادق، عبر صورٍ للكشري المصري والتحطيب والسمسمية، في مشهد يدعو الزائر إلى إعادة اكتشاف تفاصيل اعتادها المصريون، مع أنها تشكل حجر الأساس في ذاكرتهم الجماعية وهُويتهم الوطنية.

الكشري.

حين يجتمع المصريون حول مائدة واحدة

.

لا تعرض صورة الكشري طبقًا شعبيًا شهيرًا فحسب، بل تفتح نافذة على حكاية من حكايات الشارع المصري، حيث تتجاور مكونات بسيطة تصنع مذاقًا التصق بوجدان الملايين وأصبح جزءًا أصيلًا من يوميات المدن والأحياء الشعبية.

الكشري إذن أكبر من وجبة؛ هو تفصيلة مصرية خالصة تحفظ ذكريات الأصدقاء والعائلات، وصخب الشوارع، ودفء الأماكن التي اعتاد المصريون اللقاء فيها حول طبق جمع البساطة والألفة.

وبصورة واحدة يستطيع الزائر الاقتراب من جانب من الثقافة الشعبية المصرية، التي تتجلى في الطعام كما تتجلى في الفنون والاحتفالات.

التحطيب.

عندما تتحدث العصا بلغة الأجداد

.

من المائدة المصرية إلى ساحة التحطيب تنتقل الحكاية إلى أحد أعرق فنون الأداء الشعبي في مصر، حيث تتقاطع الحركة والإيقاع والمهارة في تقليد راسخ ارتبط بالمناسبات الاجتماعية والاحتفالات، ولا سيما في صعيد مصر.

فالتحطيب ليس مجرد مبارزة بالعصي، بل فن شعبي يحمل ملامح من التراث المتوارث، ويعكس قيمًا من المهارة والانضباط والتنافس، في مشهد تتسلم فيه الأجيال تقاليده وتتعلم أصوله جيلًا بعد جيل.

وقد أدرجت منظمة اليونسكو التحطيب المصري ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2016، في اعتراف دولي بقيمة هذا الفن وضرورة صونه بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية المصرية.

السمسمية.

نغمات البحر التي تسكن الوجدان

.

أما السمسمية فتنقل الزائر إلى عالم آخر من الحكايات، حيث تنساب أنغامها المرتبطة بمدن القناة والسواحل المصرية، وتستعيد أجواء التجمعات الشعبية والأغنيات التي رافقت حياة الناس وأفراحهم واحتفالاتهم.

في صوت السمسمية تختبئ ذاكرة المكان؛ حكايات البحارة والصيادين، وأغنيات الأفراح والسمر، وروح جماعية جعلت من الموسيقى وسيلة للتعبير عن المشاعر والانتماء.

إنها آلة شعبية تتجاوز أوتارها حدود الصوت لتصبح رمزًا لتراث موسيقي تناقلته الأجيال، وحافظت من خلاله المجتمعات على جانب من شخصيتها.

وحين تلتقي صورة الكشري بمشاهد التحطيب والسمسمية تتشكل أمام الزائر لوحة من ملامح مصر المتنوعة؛ مصر التي تجمع بين مذاق الحياة اليومية وفنون الحركة وأنغام الموسيقى الشعبية، وتمنح كل تفصيلة صغيرة مساحة لتروي حكاية كبيرة.

التراث.

لغة تتجاوز الحدود

.

جاء حضور التراث المصري في معرض التراث الثقافي غير المادي الإيبيرو أمريكي، المصاحب للدورة الرابعة عشرة من الأسابيع الإيبيرية الأمريكية بالقاهرة، بمشاركة ثقافات متعددة من الدول الناطقة بالإسبانية والبرتغالية.

ويعرض المعرض نماذج من الممارسات والتعبيرات الثقافية المعترف بها من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى جانب نماذج من التراث المصري، في مساحة تتيح للجمهور اكتشاف أوجه التشابه والاختلاف بين الشعوب، والتعرف على ما تحمله عاداتها وفنونها من قيم وذكريات مشتركة.

وتكمن أهمية هذا النوع من الفعاليات في أنه يعيد الاعتبار إلى التراث الحي، الذي لا يقتصر على المباني التاريخية والقطع الأثرية، بل يمتد إلى الطعام والموسيقى والرقص والعادات والمعارف التي تنتقل من جيل إلى آخر، وتحفظ للمجتمعات خصوصيتها وذاكرتها.

فمصر التي يعرفها العالم بأهراماتها ومعابدها ونيلها، تقدم هنا وجهًا آخر لا يقل ثراءً وجمالًا؛ وجهًا تسكنه تفاصيل الناس، وترويه حكايات الشوارع والساحات والأغنيات، وتمنحه العادات الشعبية روحًا لا تنطفئ.

ومن صورة الكشري إلى حركة التحطيب ورنين السمسمية تظل الرسالة واحدة: أن هوية الأوطان لا تُصنع من التاريخ المكتوب وحده، بل من حياة الناس أيضًا، ومن كل ما ورثوه عن أجدادهم وحرصوا على نقله إلى أبنائهم، حتى تبقى حكاية مصر حاضرة في الذاكرة، قادرة على الوصول إلى قلوب الآخرين مهما اختلفت اللغات والثقافات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *