التخطي إلى المحتوى

تزايدت في الآونة الأخيرة الاستفسارات الفقهية المرتبطة بمهن التقنية الحديثة، ومن أبرزها سؤال ورد إلى دار الإفتاء حول حكم بيع قواعد البيانات الشخصية والبيومترية الخاصة بالمستخدمين، وهو ما يستدعي وقفة تفصيلية عند الأبعاد الشرعية والأخلاقية والقانونية لهذه المسألة.

تفاصيل السؤال الوارد إلى دار الإفتاء

جاء السؤال من شخص يعمل مبرمجًا لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وأوضح أنه يمتلك بحكم طبيعة عمله قاعدة بيانات ضخمة تضم معلومات حساسة عن المستخدمين، من بينها بصمات الوجه وغيرها من البيانات البيومترية التي تُستخدم في تدريب النماذج وتحسين أداء الأنظمة الذكية.

وتساءل السائل عن مدى جواز الاستفادة المالية من هذه البيانات عبر بيعها لأطراف أخرى، في ظل ما تدرّه هذه العمليات من أرباح، وما قد يترتب عليها من مخاطر تتعلق بخصوصية الأفراد.

البيانات الشخصية أمانة لا سلعة

تتجه الأنظار في مثل هذه المسائل إلى أن البيانات الشخصية ليست ملكًا مطلقًا لمن جمعها، بل هي أمانة استُؤمن عليها الشخص عند حصوله عليها بموافقة أصحابها ولغرض محدد.

فالأصل أن التصرف في مال الغير أو في معلوماته الخاصة لا يجوز إلا بإذنه، والأصل في البيانات البيومترية أنها من أشد الخصوصيات حرمة؛ إذ لا يمكن تغييرها أو استبدالها مثل كلمة المرور إذا ما تسربت.

ويُستدل على ذلك بقواعد شرعية عامة، من أبرزها أن تصرف الإنسان في حق غيره بغير إذنه غير نافذ، وأن الضرر يجب إزالته، وأن الغش والخيانة في الأمانات محرمان، وهو ما يؤكد أن موافقة المستخدم على استخدام بياناته لغرض معين لا تعني تلقائيًا تمليكه إياها أو الترخيص له ببيعها.

ضوابط جواز الانتفاع بالبيانات

لا يعني ما سبق المنع المطلق من الانتفاع بقواعد البيانات في مجال التقنية، بل ثمة ضوابط وشروط لابد من مراعاتها، أهمها:

  • الحصول على إذن صريح ومعلوم من صاحب البيانات يحدد الغرض ونطاق الاستخدام ومدة الاحتفاظ.
  • الالتزام بـعدم بيع البيانات أو مشاركتها مع أطراف ثالثة خارج ما تم الترخيص به.
  • مراعاة الخصوصية والأمان، وتجنب أي ترتيب لضرر يلحق بالأفراد جراء تسريب بياناتهم.
  • الحرص على أن يكون الاستخدام في أغراض مباحة شرعًا، بعيدًا عن التشهير أو التضييق أو الإضرار.

بصمات الوجه بين الحرمة والاستثناء

تحظى بصمات الوجه بعناية خاصة في الفتاوى المعاصرة، لأنها تمس الجسد ذاته وتُعد من أكثر أنواع البيانات حساسية.

ويُعد استخدامها أو تداولها بغير إذن صاحبها اعتداءً على خصوصيته، ولا يجوز بيعها لجهات أخرى؛ لما يترتب على ذلك من رفع للحرمة الشرعية عن المعلومات الشخصية، وتمكين الغير من إساءة استخدامها في أغراض قد لا يرضاها صاحب البيانات.

موقف قانوني داعم للحكم الشرعي

يتقاطع هذا التوجه مع ما تنص عليه قوانين حماية البيانات الشخصية في كثير من الدول العربية، والتي تمنع جمع البيانات ومعالجتها ونقلها إلى أطراف أخرى إلا بناءً على أساس قانوني واضح أو موافقة صريحة من صاحب البيانات.

ومن ثمّ فإن البيع غير المصرح به لا يمثل مخالفة فقهية فحسب، بل يُعد أيضًا مخالفة قانونية تترتب عليها مسؤولية قانونية.

خلاصة الحكم

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن بيع المبرمج للبيانات الشخصية والبيومترية للمستخدمين دون إذنهم ورضاهم الصريح غير جائز شرعًا، وهو اعتداء على حرمة خصوصية الأفراد وتضييع للأمانة.

أما الانتفاع بهذه البيانات في نطاق ما أُذن فيه ولمصلحة مباحة، فله ضوابطه وشروطه.

والواجب على من يعمل في مجال الذكاء الاصطناعي أن يتحرى الدقة في التعامل مع بيانات المستخدمين، ويحرص على حمايتها، ويستشير الجهات المختصة في الحالات الملتبسة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *