التخطي إلى المحتوى

البرلمان العربي يقود مبادرة برلمانية جديدة لإنشاء آلية تنسيق دولية لمكافحة الإرهاب ودعم «نداء الساحل»

في خطوة تعكس تصاعد الدور البرلماني في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود، أكد معالي محمد بن أحمد اليماحي، رئيس البرلمان العربي، أن مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف لم تعد تحتمل الانتظار خلف ستار المبادرات المتعددة، بل باتت تستلزم الانتقال الحاسم من تعدد الجهود إلى تكاملها وتنسيقها، وتحويلها إلى مسارات عملية قابلة للتنفيذ والقياس والمتابعة، مع التشديد على تعزيز الشراكة على المستويين الدولي والإقليمي.

سياق المشاركة في أروشا التنزانية

جاء هذا الطرح خلال مشاركة رئيس البرلمان العربي في اجتماع الفريق الاستشاري رفيع المستوى المعني بمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، الذي انعقد على هامش أعمال الجمعية الـ153 للاتحاد البرلماني الدولي في مدينة أروشا التنزانية.

ويُعد الاتحاد البرلماني الدولي، الذي تأسس عام 1889 ويضم أكثر من 180 برلمانًا وطنيًا ومنظمة برلمانية إقليمية، أقدم وأكبر منصة برلمانية متعددة الأطراف في العالم، ما يمنح الاجتماعات المنعقدة على هامشه ثقلًا سياسيًا ومساحة نفوذ واسعة لتسويق المقترحات العربية والإقليمية.

مقترحات عملية في إطار «نداء الساحل»

وفي كلمته أمام الاجتماع، طرح رئيس البرلمان العربي عددًا من المقترحات العملية لتعزيز العمل البرلماني في هذا المجال، ولا سيما في إطار مبادرة «نداء الساحل» التي تستهدف دعم وتكامل الجهود البرلمانية والإقليمية والدولية في مواجهة التحديات المرتبطة بالإرهاب والتطرف العنيف في منطقة الساحل الأفريقي.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة الساحل تمتد على طول جنوب الصحراء الكبرى من المحيط الأطلسي غربًا إلى البحر الأحمر شرقًا، وتشمل دولًا مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا، وقد شهدت خلال العقود الأخيرة تصاعدًا لافتًا في النشاط الإرهابي والجماعات المسلحة، مما جعلها إحدى أكثر مناطق العالم احتياجًا لجهود دولية وإقليمية منسقة.

ثلاثة مسارات عملية لدفع «نداء الساحل»

وتضمنت مقترحات رئيس البرلمان العربي ثلاثة مسارات عملية لدفع تنفيذ «نداء الساحل»، تتصف بالتكامل والتدرج المنطقي:

  • المسار الأول: الاستماع إلى احتياجات دول الساحل ومجتمعاتها المحلية قبل تحديد الأولويات، بما يضمن أن تكون البرامج المطروحة نابعة من الواقع الميداني لا من تصورات مكتبية بعيدة عنه.
  • المسار الثاني: تحويل هذه الأولويات إلى برنامج عمل برلماني مشترك، يوحد الصفوف ويحدد المسؤوليات بوضوح بين البرلمانات والمنظمات الإقليمية والدولية.
  • المسار الثالث: وضع آلية واضحة للمتابعة وقياس ما يتم إنجازه، بما يضمن عدم تحوّل المبادرات إلى حبر على ورق، ويمكّن من تقييم الأثر الفعلي للجهود المبذولة.

مقترح مؤسسي: آلية تنسيق منتظمة

وعلى الصعيد المؤسسي، قدّم اليماحي مقترحًا لتعزيز التعاون بين الفريق الاستشاري رفيع المستوى والمنظمات البرلمانية الإقليمية، من خلال بحث إنشاء آلية تنسيق منتظمة تتيح تبادل الخبرات والمعلومات، والتعرف بصورة أفضل على الاحتياجات الإقليمية، وتوزيع الأدوار وتكامل الجهود، وتجنب الازدواجية وتكرار المبادرات.

وأكد رئيس البرلمان العربي أن أهمية هذا المقترح تتزايد في منطقة الساحل، بالنظر إلى ارتباط عدد من المنظمات البرلمانية الإقليمية بصورة مباشرة بالتحديات المرتبطة بالإرهاب والتطرف في هذه المنطقة، ومن بينها البرلمان العربي والبرلمان الأفريقي وبرلمان البحر الأبيض المتوسط، بما يجعل الربط بين الخبرة الدولية والمعرفة الإقليمية والمحلية عاملًا مهمًا لجعل العمل البرلماني أكثر واقعية وتأثيرًا.

ويُذكر أن البرلمان العربي، الذي يتخذ من القاهرة مقرًا له، يُعد أحد أبرز المنظمات البرلمانية الإقليمية العاملة في إطار جامعة الدول العربية، ويهدف إلى تعزيز العمل البرلماني العربي المشترك ودعم قضايا الأمة العربية على المستويات التشريعية والدبلوماسية.

أما البرلمان الأفريقي فيعمل تحت مظلة الاتحاد الأفريقي ويضم ممثلين عن برلمانات دول القارة، بينما يمثل برلمان البحر الأبيض المتوسط منصة حوار برلماني إقليمي تجمع دول ضفتي المتوسط.

ترحيب دولي وتنظيم زيارات ميدانية

وقد لاقت المقترحات التي طرحها رئيس البرلمان العربي ترحيبًا واسعًا من المشاركين في الاجتماع، حيث أكدت السيدة مارسيلا غويرا كاستيو، رئيسة الفريق الاستشاري رفيع المستوى المعني بمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، أهمية العمل على إيجاد آلية للتنسيق بين الفريق والمنظمات البرلمانية الإقليمية، موجهة الشكر إلى رئيس البرلمان العربي على طرح هذه المبادرة وأخذ زمام المبادرة في الدفع نحو بلورتها، بما يعزز التكامل بين الجهود القائمة.

وأعلنت رئيسة الفريق الاستشاري، في هذا السياق، عن توجه الفريق إلى تنظيم عدد من الزيارات الميدانية ولقاءات التعاون مع المنظمات البرلمانية الإقليمية، من بينها زيارة مرتقبة إلى مقر البرلمان العربي في القاهرة، إلى جانب عقد لقاءات مع عدد من رؤساء البرلمانات والمنظمات البرلمانية الإقليمية، بهدف تعزيز الحوار وتبادل الخبرات وبحث مجالات التعاون العملي.

كما أشادت رئيسة الفريق الاستشاري بالدور الذي يضطلع به البرلمان العربي، برئاسة معالي محمد بن أحمد اليماحي، في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي، وبمشاركته الفاعلة في النقاشات المتعلقة بالقضايا ذات الأولوية، مؤكدة أهمية استمرار التواصل بين البرلمان العربي والفريق الاستشاري بما يخدم جهود مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف وتعزيز العمل البرلماني المشترك.

الانتقال من التنسيق إلى التنفيذ

وفي ختام كلمته، أكد «اليماحي» استعداد البرلمان العربي لأن يكون شريكًا فاعلًا في مسار التنسيق والعمل والمتابعة، بما يسهم في تحويل «نداء الساحل» من إطار للتشاور إلى مسار عملي للتنسيق والمتابعة، مؤكدًا أن القيمة الحقيقية للجهود المشتركة تتمثل في الانتقال من تعدد الجهود إلى تكاملها، ومن تبادل الأفكار إلى متابعة تنفيذها.

وتعكس هذه المبادرة تحولًا أوسع في دور البرلمانات الإقليمية من مجرد منصات تشريعية إلى فاعلين في بناء الأمن والاستقرار، وهو توجه يتلاقى مع أهداف التنمية المستدامة وخصوصًا الهدف السادس عشر المعني بالسلام والعدل والمؤسسات القوية، ما يجعل من التنسيق البرلماني الدولي أداة استراتيجية لا غنى عنها في مواجهة التطرف العنيف.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *