التخطي إلى المحتوى

يُعد جامع سيدي زغلول الأثري في مدينة رشيد بمحافظة البحيرة واحدًا من أهم المعالم الإسلامية والتاريخية في مصر، إذ يجمع بين عراقة العمارة وقيمة تاريخية نادرة، ويقف شاهدًا حيًا على قرون من الحضارة الإسلامية ودورًا بارزًا في المقاومة الشعبية ضد الحملة الإنجليزية عام 1807.

يمتد تاريخ الجامع لأكثر من خمسة قرون، مع إشارات تاريخية إلى أن جذور الموقع أقدم من ذلك، ما يجعله من أبرز الشواهد على مكانة رشيد الحضارية.

ثلاث مراحل إنشائية شكلت ملامح الجامع

مر الجامع بمراحل إنشاء متتالية بدأت في العصر المملوكي نحو عام 775هـ/1373م، حين أُنشئ القسم الشمالي المعروف بـ«الديواني»، ويُرجح ارتباطه بشخصية مملوكية تُدعى «فيروز الصلاحي»، وضم صحنًا وأروقة ملحقة.

وفي عام 956هـ/1549م، جاءت المرحلة الثانية على يد علي زغلول الذي حمل المسجد اسمه، وأضيف خلالها الجزء الجنوبي.

ثم شهد القرن السابع عشر مرحلة ثالثة على يد محيي الدين عبد القادر، أُضيف فيها القسم الشرقي وشُيدت المئذنة الشرقية ودكة المبلغ، ليكتمل التوسع الذي رسم الصورة التاريخية للجامع.

244 عمودًا تحكي قصة العمارة الإسلامية

يقع الجامع جنوب مدينة رشيد، وتبلغ أبعاده نحو 90 مترًا طولًا و48 مترًا عرضًا، بمساحة إجمالية تقارب 5300 متر مربع.

ويتميز بتكوين معماري فريد يضم نحو 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، في مشهد يذكّر بطراز جامع الأزهر، بينما تغطي سقفه قباب صغيرة عثمانية الطابع ترتكز على عقود مدببة تحملها الأعمدة داخل الأروقة.

كما يضم عناصر فنية نادرة من بينها المحاريب المزخرفة بالنقوش الجصية، والمنبر الخشبي المزخرف، إضافة إلى محاريب أخرى تعكس مراحل تاريخية مختلفة.

ويحتوي على مئذنتين؛ شرقية شُيدت ضمن المرحلة الثالثة، وغربية لم يكتمل بناؤها لتبقى شاهدًا معماريًا على أحداث تاريخية مهمة.

منبر المقاومة في مواجهة الحملة الإنجليزية

لا تقتصر قيمة الجامع على التاريخ والعمارة، بل يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية لارتباطه بمقاومة الحملة الإنجليزية على رشيد عام 1807م.

فخلال المواجهات ارتبط المسجد بالمقاومة الشعبية التي قادها أهالي المدينة، وتذكر الروايات أن تكبيرات «الله أكبر» انطلقت منه بقيادة الشيخ حسن كريت، نقيب الأشراف وإمام المالكية آنذاك، إيذانًا ببدء المواجهة.

وانتهت معركة رشيد بهزيمة القوات البريطانية بعد خسائر كبيرة وأسر عدد من جنودها، قبل أن تتواصل المقاومة في قرية الحماد خلال أبريل 1807، ما أسهم في إفشال الحملة الإنجليزية على المدينة.

وخلال تلك الأحداث تعرضت المئذنة الغربية للقصف وبقيت غير مكتملة، لتصبح مع الزمن شاهدًا معماريًا حيًا على صفحة بارزة من صفحات المقاومة الشعبية في تاريخ مصر الحديث.

ترميم أعاد الحياة إلى الجامع

حرصًا على صون هذا الأثر، شهد الجامع أعمال ترميم وتأهيل واسعة استهدفت الحفاظ على عناصره المعمارية والأثرية وإعادته لأداء دوره الديني.

وبدأت أعمال الترميم عام 2005 ونفذتها شركة المقاولون العرب، واستمرت سنوات، وشملت الجزء الغربي ورفع مناسيب الأرضيات وتدعيم الأعمدة وإصلاح القباب والعناصر المعمارية المختلفة.

واكتمل ترميم الجزء الغربي نحو عام 2017 بتكلفة قاربت 25 مليون جنيه، قبل أن يُفتح المسجد جزئيًا أمام المصلين في رمضان 2018 في احتفالية حضرها عدد من الوزراء وقيادات محافظة البحيرة والقيادات التنفيذية والدينية.

أثر حي يجمع بين العبادة والتاريخ

يجسد جامع سيدي زغلول نموذجًا فريدًا لتداخل المراحل التاريخية والحضارية في العمارة الإسلامية المصرية، حيث تتجاور فيه ملامح العصر المملوكي مع توسعات القرن السادس عشر والإضافات العثمانية الطابع، ليكون سجلًا معماريًا حيًا لتطور العمارة الإسلامية عبر قرون.

ولا تتوقف أهميته عند قيمته الأثرية والمعمارية، بل تمتد إلى مكانته في الذاكرة الوطنية باعتباره شاهدًا على مقاومة أهالي رشيد للحملة الإنجليزية عام 1807، ورمزًا للصمود والإرادة الشعبية.

واليوم يواصل الجامع أداء رسالته الدينية بعد عودته لاستقبال المصلين، ليجمع بين أصالة التاريخ وروح العبادة، ويظل منارة دينية وحضارية تروي للأجيال قصة مدينة صنعت صفحات مهمة من تاريخ مصر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *