في عالم تتعدد فيه الحكايات، يبقى الكاتب الحقيقي هو من يمنح الحكاية روحًا، ويجعل من الكلمات نافذة نطل منها على الإنسان في ضعفه وقوته، في ذاكرته وأسئلته، وفي علاقته بالمكان والزمن.
ومن هذا النوع من الكتابة تأتي تجربة الروائي العراقي فائز الشكرجي، الكاتب الذي يمتلك رؤية خاصة تجعل من الرواية مساحة لاكتشاف الإنسان والاقتراب من تفاصيله ومشاعره وأسئلته العميقة.
لا يكتب الشكرجي الحكاية لذاتها، بل يذهب إلى ما وراءها، فيبحث داخل شخصياته عن دوافعها وتناقضاتها وهشاشتها، ويمنح الإنسان مساحة واسعة ليكون محورًا أساسيًا في العمل الروائي.
وفي رواية «سلام»، يعكس الشكرجي واقعًا إنسانيًا يتجاوز الخيال، وينقل من خلالها صراع الإنسان مع التحديات في إطار درامي مشوق، ضمن ظروف زمانية ومكانية تبدو واقعية وقريبة من القارئ.
وتبرز في الرواية ملامح إنسانية لشخصيات تكافح في مواجهة الشر، وتحاول البحث عن طريق للنجاة والانتصار رغم قسوة الظروف.
أما رواية «القجقجي»، فتواصل هذا الحضور الإنساني والدرامي، من خلال شخصيات وأحداث تكشف جوانب مختلفة من الصراع الإنساني، وتمنح القارئ مساحة للتأمل في طبيعة الإنسان واختياراته ومواجهته للتحديات.
أما كتابه «إبليس»، الذي يأتي في إطار السيرة الذاتية والقراءة للوقائع التاريخية، فيقدم رؤية مختلفة تمزج بين التاريخ والاقتباسات الدينية في قالب روائي سلس، يصل إلى ذهن القارئ دون تكلف أو تعقيد.
ويتميز الكتاب بطرح القضايا الدينية والإنسانية بأسلوب بعيد عن القسوة أو التعقيد الذي قد يصاحب أحيانًا بعض الخطابات الوعظية، ليقود القارئ بهدوء إلى التأمل في عظمة الخالق، وفي النعم التي منحها للإنسان، والتي تمثل مصدر قوته وقدرته على التفوق والانتصار على الشر، مهما بدا الأخير ممتلكًا من أدوات وإمكانات.
كما يلفت الشكرجي الانتباه بصورة واضحة إلى مفهوم «شياطين الإنس»، أولئك الذين يتلاعبون بالدين ويدلسون في تفسيره، ويوظفونه لنشر الأفكار المتطرفة، في محاولة لتشويه جوهر الدين وقيمه الإنسانية.
وهنا تتجاوز تجربة الشكرجي حدود الرواية التقليدية؛ فهذه الأعمال لا تحكي عن العراق وحده، رغم حضور البيئة العراقية بقوة في تفاصيلها، وإنما تحمل أبعادًا إنسانية وفكرية عابرة للحدود، قادرة على الوصول إلى القارئ العربي أينما كان، لأنها تتناول قضايا الإنسان والشر والخير والصراع والاختيار، وهي قضايا لا ترتبط بمكان واحد.
ومن اللافت أيضًا أن عالم الشكرجي الروائي يحمل عناصر درامية وبصرية ثرية، تجعل رواياته قابلة للتحول إلى أعمال ومسلسلات تلفزيونية، بما تتضمنه من شخصيات متعددة، وصراعات إنسانية، وأحداث متشابكة، وأجواء زمنية ومكانية يمكن أن تمنح الشاشة مادة درامية قوية ومختلفة.
وتكمن قيمة تجربته في أنه لا يكتب عن الإنسان من الخارج، بل يحاول الاقتراب من داخله؛ من خوفه وأمله، من ضعفه ومقاومته، ومن قدرته على مواجهة الشر وإعادة اكتشاف ذاته.
فائز الشكرجي نموذج للكاتب الذي يجعل من الأدب رحلة لفهم الإنسان؛ حين يتذكر، وحين يفقد، وحين يواجه المكان والزمن، وحين يبحث عن الحقيقة وسط عالم مليء بالتحديات.
وفي النهاية، تبقى قيمة الكاتب الحقيقي فيما يتركه بعد انتهاء الحكاية؛ سؤالًا في ذهن القارئ، وإحساسًا في قلبه، وصورة مختلفة للإنسان والحياة.
وهذا ما تمنحه تجربة فائز الشكرجي؛ كتابة لا تكتفي بأن تُقرأ، بل تدعو إلى التأمل، وتفتح أبوابًا للنقاش، وتترك أثرًا يتجاوز صفحات الرواية.
فائز الشكرجي.
كاتب يجعل من الرواية ذاكرةً للإنسان، ومن الحكاية طريقًا لاكتشاف ما تخفيه الأرواح، وربما شاشةً جديدة تنتظر أن ترى هذه الحكايات نابضة بالحياة.

التعليقات