تتكرر بين حين وآخر حوادث مأساوية تحصد أرواح سيدات قررن أن يُنهين حياتهن، لا اختيارًا، بل هروبًا من واقع أثقل من قدرتهن على الاحتمال.
وفي كل مرة نبحث في الأسباب، نجد الخيط نفسه يتكرر: العجز عن الإنفاق على الأطفال، وثقل أعباء المعيشة، وغياب شبكة أمان حقيقية تحمي الأم وأطفالها من السقوط في هاوية الفقر.
النفقة… حق يتعثر بين المحاكم والواقع
الأمر لا يتوقف عند الشعور بالعجز، بل يمتد إلى تعثر الحصول على النفقة أو الإعالة التي كان يفترض أن تضمن للأطفال وأمهاتهم حياة كريمة.
فبين أحكام قضائية لا تُنفَّذ، وآباء يتهربون من التزاماتهم المالية، ووسائل تنفيذ محدودة الفعالية، تجد المرأة المطلقة نفسها وحدها في مواجهة أعباء تربية الأطفال وتوفير الطعام والملبس والعلاج والتعليم.
وتشير بيانات رسمية ودراسات اجتماعية في مصر إلى أن نسبة غير قليلة من النساء المطلقات يعشن في أسر ترأسها نساء، وأن كثيرًا منهن يعانين من انعدام مصدر دخل ثابت.
وفي كثير من الحالات، تكون المرأة هي المعيلة الوحيدة بعد أن تنقطع كل أشكال الدعم أو يقصِّر الأب عن أداء واجبه.
لماذا لا تنجح حلول المساعدة المؤقتة؟
توجد بالفعل بعض المبادرات مثل معاش تكافل وكرامة، الذي يستهدف الفئات الأولى بالرعاية.
لكن كثيرًا من النساء المطلقات لا يتمكن من الوصول إليه، إما بسبب تعقيدات إجراءات التسجيل، أو شروط البحث الاجتماعي التي لا تعكس بدقة الوضع الفعلي، أو لأن الدعم، عند وصوله، لا يكفي لتغطية الحد الأدنى من احتياجات أسرة كاملة.
هنا تظهر الحاجة إلى رؤية أكثر وضوحًا: دعم مستهدف، سهل الوصول، وثابت زمنيًا، لا يخضع لتقديرات موسمية أو مزاجية.
المطلوب… الحد الأدنى من الأمان لا الرفاهية
ليس المطلوب رفاهية، وإنما الحد الأدنى من الأمان الذي يجعل أمًا قادرة على إطعام أطفالها، ودفع احتياجاتهم الأساسية، ومواجهة الحياة بكرامة.
ومن هنا يأتي هذا النداء إلى وزارة التضامن الاجتماعي بدراسة تخصيص معاش أو دعم شهري ثابت للمرأة المطلقة المعيلة، التي يثبت بحثها الاجتماعي أنها بلا مورد دخل حقيقي، ولا تجد من يعولها أو يعول أطفالها.
خطوات عملية يمكن أن تُحدث فرقًا
- تسريع إجراءات البحث الاجتماعي وتبسيط أوراق التسجيل، مع إمكانية التقديم إلكترونيًا من المنزل.
- ربط بيانات الأحكام القضائية الخاصة بالنفقة بقواعد بيانات الوزارة لتحديد المستحقات والملزمين تلقائيًا.
- تخصيص دعم شهري منفصل للمرأة المعيلة بصرف النظر عن وجود أطفال في سن المدرسة أو خارجه.
- إنشاء وحدات دعم نفسي واجتماعي للمطلقات، لتقديم المساندة في اللحظات الأولى بعد الانفصال.
- التنسيق بين وزارة التضامن والمحاكم ودور الرعاية لإنفاذ أحكام النفقة بسرعة وفاعلية.
حماية الأم… حماية لأطفالها
دعم المرأة المعيلة ليس رفاهية، بل حماية لأسرة كاملة وأطفال لا ذنب لهم.
فحين تنقطع سبل المساعدة، يجب ألا تنقطع سبل الرحمة.
وحين تصل الأم إلى حافة اليأس، فإن المجتمع كله يدفع الثمن، من خلال أطفال محرومين، وأسر متفككة، ومآسٍ كان يمكن تجنبها.
رسالة أخيرة إلى الوزارة
لا تنتظروا مأساة جديدة حتى نتحرك.
أنقذوا الأسر قبل أن تصل إلى اليأس.
لعل أن يكون في هذه الكلمات صوت لكل امرأة لم تجد من يسمعها، ولكل أم حملت ثقلًا أكبر من طاقتها، ولكل طفل يستحق أن ينظر إلى المستقبل دون خوف.

التعليقات