التخطي إلى المحتوى

طوني ماريني: من نقد الفن إلى أنثروبولوجيا الإبداع الإنساني

في ندوة تكريمية أقيمت ضمن فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، استعاد الدكتور عبد الله زيوزيو، أستاذ الطب النفسي بالدار البيضاء، مسيرة تمتد لأكثر من أربعة عقود من الصداقة والعمل المشترك مع الكاتبة والناقدة الفنية طوني ماريني، مسلطًا الضوء على جانب مغاير تمامًا من تجربتها، يرتبط بالطب النفسي والعلاج بالفن وتوظيف الإبداع في إعادة بناء علاقة الإنسان بذاته وبالمؤسسة والمجتمع.

بداية الصداقة: من غاليري «لأتولييه» إلى فضاءات الإبداع

أوضح زيوزيو أنه تعرّف إلى طوني ماريني سنة 1976 بفضل الفنانة أوديت سولدران وبولان دو مازيير، عبر تجارب فنية وثقافية ارتبطت بفضاءات مثل غاليري «لأتولييه» بالرباط، قبل أن تتحول العلاقة إلى صداقة راسخة امتدت لعقود طويلة.

وكشف أن تكوينه الطبي جعله يشعر منذ البداية بوجود فجوة عميقة بين الطب والعلوم الإنسانية، معتبرًا أن دراسة الطب كانت تُركّز بشكل كبير على إعداد «مهندسي الجسد»، بينما لم تكن العلوم الإنسانية تحظى إلا بمساحة هامشية ضمن التكوين الطبي.

من هذا المنطلق، وجد زيوزيو في علاقته بالفن والفنانين، ومن بينهم طوني ماريني ومحمد المليحي وعبد الله الحريري، مجالًا بديلًا لفهم الإنسان خارج الحدود التقليدية للممارسة الطبية.

قراءة الفن: من لوحة الحريري إلى النقاش المعرفي

استعاد زيوزيو إحدى التجارب المفصلية التي أثّرت في علاقته بماريني، وتتعلق بمعرض للفنان عبد الله الحريري حول اللون الأسود في غاليري «لأتولييه».

وأشار إلى أن تجربته الأولى أمام أعمال الحريري أثارت لديه أسئلة عميقة حول طبيعة اللوحة وموقع اللون والمعنى داخل العمل الفني، قبل أن تساعدَه النقاشات مع طوني ماريني على بلورة قراءة مختلفة لهذه التجربة.

وأكد أن ماريني لم تكن تقدّم إجابات جاهزة، وإنما كانت تدخل في نقاش طويل ومتشعب حول العمل الفني، وهو ما أتاح له الاقتراب من الفن من زاوية تتجاوز التلقي البصري المباشر إلى الفهم المعرفي والرمزي.

الفن في قلب مستشفى برشيد: أنسنة الفضاء العلاجي

من أبرز المحطات التي استعادها زيوزيو تجربته في جناح 36 للطب النفسي، حيث بدأ مساره المهني، وكانت هناك مجموعة من المختصين تعمل على خلق فضاء أُطلق عليه اسم «النادي»، وانتظمت داخله ورشات للطبخ والرسم والموسيقى.

وفي عام 1976، اقترح زيوزيو على طوني ماريني ومحمد المليحي، خلال إحدى اللقاءات، نقل تجربة الفن إلى مستشفى برشيد عبر تنظيم موسم يشارك فيه فنانون داخل فضاء المستشفى.

وبعد سنوات، عادت الفكرة إلى الواجهة، وبدأ التحضير لتجربة «موسم الفنانين في برشيد»، التي كان هدفها الأساسي، وفق شهادة زيوزيو، أنسنة فضاء المستشفى النفسي وفتح علاقة جديدة بين المرضى والفنانين والمجتمع.

تحديات واعتراضات: بين القلق والخوف من الاستغلال

لم يخلُ المشروع من التخوفات والاعتراضات؛ إذ تساءل عدد من الفنانين عن قدرتهم على دخول فضاء يضم قدرًا كبيرًا من القلق والمعاناة، بينما خشي بعضهم أن تتحول التجربة إلى نوع من التوظيف السياسي أو الاستعراضي لمعاناة المرضى.

في المقابل، برزت اعتراضات من بعض الفنانين في الرباط، اعتبروا أن الفنانين سبق أن تعرضوا للاستغلال السياسي، وأن دخولهم إلى مستشفى للأمراض النفسية قد يحوّل التجربة إلى نوع من «الفرجة» أو التطفل على فضاء علاجي.

طوني ماريني.. «أنثروبولوجية للفن»

أكد زيوزيو أن طوني ماريني لم تتعامل مع مشروع برشيد باعتباره مجرد نشاط فني عابر، بل انخرطت فيه بعمق، وهو ما جعله يكتشف معرفتها الواسعة بتاريخ أنسنة المؤسسات النفسية، خصوصًا تجربتها المرتبطة بمبادرات الطبيب الإيطالي فرانكو باساليا في ترييستي.

وبناءً على تجربته الطويلة معها، قال زيوزيو إنه لا يرى ماريني مجرد ناقدة أو مؤرخة للفن، وإنما يعتبرها «أنثروبولوجية للفن»، لأنها كانت تبحث في الممارسات الفنية داخل سياقاتها الاجتماعية والثقافية والإنسانية، وتجمع بين العمل الميداني والتوثيق والبحث.

واستحضر في هذا السياق اهتمامها بالتصوف والثقافة المغربية، مشيرًا إلى معرفتها بالصلاة المشيشية لمولاي عبد السلام بن مشيش، وإلى النقاشات التي دارت حول الفتوحات المكية لابن عربي في إطار لقاءات شارك فيها شعراء وفنانون ومثقفون.

من عيساوة إلى الذاكرة الأثرية: منهج ميداني

تحدّث زيوزيو عن اهتمامه الشخصي بمواسم عيساوة في مكناس، وكيف فاجأته ماريني ذات مرة باتصال تخبره خلاله بوجود موسم لعيساوة في أصيلة وتدعوه للمشاركة فيه.

كما ربط بين اهتمامهما بطقوس عيساوة، وبين حديثهما عن رقصة الأسود واللبوات التي تظهر ضمن بعض المواكب، قبل أن تقوده ماريني إلى موقع أثري يرتبط برسوم الكهوف، في محاولة منها لربط الممارسة الثقافية المعاصرة بجذورها التاريخية والرمزية.

وأكد أن هذه الواقعة تلخّص منهج ماريني في البحث؛ فهي، بحسب شهادته، عندما تتناول موضوعًا لا تكتفي بالقراءة النظرية، وإنما تتوجه إلى الميدان والتوثيق وجمع المعطيات، بحثًا عن الجذور والسياقات.

الفن داخل المستشفى.

واكتشاف إبداع المرضى

.

استعاد زيوزيو كذلك تجربة أخرى ارتبطت بموسم أصيلة، عندما جرى اكتشاف مرضى لم يسبق لهم الدراسة في مدارس الفنون، لكنهم تمكنوا من إنجاز جداريات وأعمال فنية أثارت نقاشًا حول مفهوم الإبداع ومصادره.

ورأى أن هذه التجربة كشفت أن الإبداع لا يرتبط بالضرورة بالتكوين الأكاديمي، وأن الفن قادر على فتح مساحات للتعبير حتى في أكثر البيئات ارتباطًا بالمرض والعزلة.

من المستشفى إلى مدرسة الأطفال: الخيال بوابة التعلّم

لم تتوقف تجربة ماريني عند المستشفى، إذ تحدّث زيوزيو عن محاولة أخرى قامت بها داخل مستشفى للأطفال في الدار البيضاء، قبل أن تنتقل التجربة إلى مدرسة ابتدائية بشارع الزرقطوني.

وهناك، بحسب شهادته، لم يكن الهدف اختيار الأطفال الذين يجيدون الرسم، بل العمل مع أطفال لم تكن لديهم بالضرورة مهارات فنية واضحة، لكنهم يمتلكون الرغبة في المشاركة والتعبير.

واعتمدت الورش على استحضار الحكايات العائلية؛ إذ كان الأطفال يُطلب منهم العودة إلى جداتهم أو عماتهم أو كبار السن في الأسرة، والاستماع إلى الحكايات التي يحملها الذاكرة العائلية، ثم تقديمها داخل الورشة وتحويلها إلى أعمال فنية.

والمفاجأة، كما روى زيوزيو، ظهرت في نهاية السنة الدراسية، حين تحسّن أداء عدد من الأطفال الذين كانوا يُصنّفون في مؤخرة الفصل الدراسي، خصوصًا في مادة الرياضيات.

واعتبر أن التجربة أظهرت العلاقة الممكنة بين الخيال والإبداع والتعلّم، وأن تنمية المخيلة يمكن أن تنعكس على قدرات الطفل في مجالات تبدو بعيدة ظاهريًا عن الفن، مثل الرياضيات.

«مربية للفن» وريادة مبكرة في العلاج بالفن

في ختام شهادته، وصف عبد الله زيوزيو طوني ماريني بأنها «أنثروبولوجية للفن ومربية للفن»، معتبرًا أن تجربتها تضمنت أيضًا ممارسة مبكرة لما يُعرف اليوم بالعلاج بالفن (Art Therapy).

وأوضح أن ماريني لم تكن تقدّم نفسها بوصفها معالجة بالفن، ولم تتعامل مع المفهوم باعتباره مجرد تقنية أو مهنة، وإنما مارسته من خلال ورشات ومشاريع تجمع بين الفن والإنسان والمجتمع.

وأكد زيوزيو أن أهمية تجربة ماريني تكمن في قدرتها على تجاوز الحدود التقليدية بين الفن والطب والتربية والأنثروبولوجيا، وتحويل الإبداع إلى وسيلة لفهم الإنسان وأنسنته، وهو ما جعل حضورها يتجاوز تاريخ الفن إلى مجالات أوسع من الثقافة والحياة الاجتماعية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *