مقدمة: رواية لا تفقد طزاجتها
لم تفقد رواية «فتاة وبحيرتان» للكاتبة أماني القصاص طزاجتها في صفحة من صفحاتها، تمامًا كما لا تفقد الحياة بصيرورتها وسيرورتها الطزاجة لحظة واحدة.
وكيف لا؟ ولطالما قابلنا في الواقع نماذج كأنها صورة طبق الأصل من بطلة الرواية!.
الأخت الكبرى: ضحية الدور الذي اختاره لها القدر
عندما يختار القدر للأخت الكبرى أن تلعب هذا الدور، ثم يمنحها إنسانية طاغية وحساسية مفرطة، تراها تعيش وسط أسرة مشوّهة الروح، قاسية القلب.
إخوة متسلقون، أم نرجسية، وأب حنون لكنه لم يحتمل فغادرهم جميعًا إلى العالم الآخر.
فما كان من البطلة (نداء) إلا أن تلبّي نداء واجب العطاء والتفاني، ونداء المسؤولية والرعاية.
وهنا تجب الإشارة إلى براعة الكاتبة في اختيار اسم البطلة «نداء»، فليس لأنه يوحي بأنها لبّت نداءات الواجب فقط، بل لأنها أيضًا كانت تلبّي كل نداء من إخوتها ذكورًا أو إناثًا، تسرع ملبّية نداءاتهم، لكنها نسيت في هذه المعمعة أن تلبّي نداء نفسها التي كانت تنتظر منها نظرة عطف واهتمام.
ثنائية العنوان: فتاة وبحيرتان
«فتاة وبحيرتان» ثنائية لافتة، انقسام واضح يشبه انقسام نفس البطلة إلى ثنائيات لا متناهية.
الثنائية الأولى (مركّبة) تتجلّى في العنوان: فنحن أمام فتاة من ناحية، وبحيرتين من جانب آخر.
وهذه ثنائية أولى، وتمثل البحيرتان في ذاتها ثنائية أخرى، لأننا عبر السرد سنكتشف أننا أمام بحيرة رأس البر حيث البرزخ الذي يفصل مياه النهر عن البحر، والبحيرة الأخرى هناك في قلب أوروبا حيث جنيف، مدينة من مدن سويسرا الساحرة.
ولا تتوقف الثنائيات عند هذا الحد، بل سنراها ممتدة على طول الرواية، وما هذه الثنائيات إلا ترجمة لروح البطلة المنقسمة على ذاتها.
فنحن أمام ثنائية الوطن والمهجر، وثنائية الحياة والموت، والصحة والاعتلال، والعطاء والأخذ، والحب والكراهية، والتقدير والانتقاص، والنجاح والفشل، والمريض والطبيب، والمرض والصحة، والظلم والعدل، واليأس والأمل، وحديث النفس والحديث إلى الآخرين.
ولست أبالغ إذ أكّدت للقارئ أنه واجد لكل ثنائية من هذه الثنائيات تمثّلًا وتجسيدًا واضحًا في حياة البطلة.
وإن كثرة الثنائيات ربما كانت عن غير قصد من الكاتبة، ولكنها ملاحظة إيجابية تخدم روح العمل الذي يتكئ على رسم شخصية مضطربة نفسيًا، مما يجعل القارئ عائشًا في تخبّط مثل الذي تعانيه البطلة.
الراوية كنقطة تجلٍّ: البطلة تروي حكايتها
الكاتب الجيد هو الذي ينجح في اختيار راوٍ يناسب حكايته.
وكم كانت الكاتبة موفّقة في جعل البطلة (عمود الحكاية) وموضوعها، وفي جعل هذه البطلة هي الراوية لحكايتها؛ جعلت من نفسها محور الحكي.
وكيف لا؟ وهي الباحثة عن التعافي والشفاء مما ألمّ بها من اهتزاز نفسي وسلوكي.
وقد بلغت الكاتبة من المهارة أن جعلتنا متعلقين بالبطلة في رحلة التعافي هذه.
عشنا معها البيئة التي عاشت فيها، فخلقت منها إنسانة فاقدة الثقة بنفسها بعد أن أقنعتها هواجسها أنها لن تتحقق إلا ببذل نفسها وروحها من أجل الآخرين.
وعشنا لحظة الكشف التي أهدتها لها (إليزابيث) طبيبتها المعالجة عندما أخبرتها أنها ضحية غياب الأب الذي كان يمثل لها الأمان والعطاء والحب.
فلمّا فقدته بحثت عنه في (حسين) الذي صادفته في جنيف، فجعلت من نفسها صيدًا سهلًا، فلم يجد صعوبة في اصطيادها مستمتعًا بها ومعذّبًا إياها.
جملة تستوقف القارئ: «كيف ينقذ من لا يقدر من لا يستحق؟»
على صفحة 163، ذيّلت الكاتبة فصلًا بعنوان «دور المنقذ» بجملة عميقة: «كيف ينقذ من لا يقدر من لا يستحق ثم يطلب النجاة بعد ذلك؟»
وهي الحقيقة التي وصلت إليها نداء بعد جلسات استشفاء طويلة مع طبيبتها إليزابيث، حقيقة كاشفة، يصح أن تكون حكمة لكل من يبرّر لنفسه انسحاقه أمام الآخرين.
لكل من يجعل من نفسه بطلًا من ورق معتقدًا أن دوره في الحياة أن يعيش منقذًا لغيره.
وقد نفهم أن يتبنّى هذا الأمر شخص يجد مقابلًا من هذا الغير: كلمة طيبة، نظرة امتنان، تربيتة على كتف، أو يتبادل معه عطاء بعطاء.
وقد نفهم أن الذي يلعب دور البطل لديه من القوة والمقدرة ما يعينه على فعل ذلك، لكن أن يدّعي من لا يقدر هذا الادعاء فهذا أمر محيّر، ثم يعاقبه القدر بالخذلان، ليكتشف أن من لا يقدر يدّعي قدرته على إنقاذ من لا يستحق، ثم كيف له أن يطلب النجاة بعد أن تضيع نفسه سدى؟.
أستوقفتني هذه الجملة كثيرًا، وربما كانت حكمة تعين التائهين على تلمّس الطريق؛ جملة إذا لم تكن إلهًا في الرواية لكفت الكاتبة.
لغة الرواية: فصاحة السرد ومرونة المستويات
ربما كانت هذه الجملة مدعاة للحديث عن لغة الرواية التي جاءت فصيحة حال السرد والوصف، لغة كانت قادرة على تصوير حياة البطلة منذ طفولتها المعذّبة مع أم نرجسية وإخوة أكثر نرجسية.
لا يرون فيها إلا نِدًّا وهي صغيرة، ثم لا يرونها إلا خزانة مال وهي شابة ناضجة عاملة، لها دخل ثابت وحياة مادية مستقرة.
لغة تغيّرت مستوياتها تبعًا لتغيّر الشخصيات التي شاركت في العمل؛ فلغة الأم لغة شعبية تكاد تكون سبابًا دائمًا، ولغة البطلة لغة متطورة من حال طفولتها مرورًا بدراستها ثم وصولًا إلى مقعد الأستاذية في الجامعة.
لغة نأت بنفسها عن التقريرية، واقتربت كثيرًا من تحققها الفني إذ كانت حريصة على تصوير المشاهد المختلفة.
هاهي الطفلة تفرّ مرتعبّة من لحظة عملية الختان، فنكاد نسمع لهاثها ونرى اختباءها.
وها هي تصوّر ليلية سوداء ذهبت فيها من الإسكندرية إلى دمياط لإنقاذ أخيها المستهتر بعد أن قبضت عليه الشرطة متلبّسًا بالهجرة غير الشرعية.
وهي تصوّر لحظات ضعفها مع حسين في مشاهد ساخنة بلغة غير صادمة لم تقترب من فجاجة المشاهد الجنسية المباشرة.
لسنا هنا بصدد حصر اللغة التصويرية ولا بصدد وصف المشهدية التي صنعتها الكاتبة من غير افتعال أو تقعّر عبر لغة سهلة الفهم حلوة المذاق كقطعة سكر تذوب في فم أحدنا.
الحوار: ثنائية اللغة بين العامية والفصحى
وثيق الصلة باللغة (الحوار)، وللحوار هنا شأن آخر، لأنه يمثل ثنائية أخرى من ثنائيات العمل، فقد جاء الحوار في مستويين.
المستوى الأول جاء بلهجة عامية، وقد لاحظنا أن هذا المستوى شمل كل الحوارات التي كانت في مصر.
بينما جاء الحوار في غربتها بلغة فصيحة، وربما كان مردّ ذلك إلى أن الحوارات العامية كانت على لسان طفلة صغيرة وبين شخوص تعيش في بيئة ريفية أو ساحلية لا تعرف معنى للرقي؛ بل هي — أي الشخصيات — منغمسة في الكراهية والأحقاد وسلاطة اللسان.
بينما حوارات جنيف جاءت راقية رقيّ الشخصيات التي قابلتها البطلة هناك، فهي إمّا مع أساتذة جامعة أو طلاب جامعة أو دكتورة نفسانية أو معالج نفسي أو زوجها حسين وهو عراقي الجنسية.
تقنيات السرد: عصفور رشيق بين زهور الحديقة
إن وعي الكاتب بتقنيات السرد المختلفة تجعله مثل عصفور رشيق الحركة جميل الهيئة، يتنقل بين زهور الحديقة في خفة وبهجة كما لو كان طفلًا يرى العالم للمرة الأولى.
وقد كانت الكاتبة في استخدامها لتقنيات السرد المختلفة مثل هذا العصفور؛ فهي تنتقل من مشهد لآخر (تقنية التصوير)، وتنتقل من زمن لآخر خاصة (الفلاش باك) حيث تعود كلما رغبت إلى الماضي في لحظات الحفر في بئر الذكريات المؤلمة، تفعل ذلك من غير أن تدخلنا في متاهات التراتب الزمني أو اللهاث خلف منطقية الأحداث.
هي ترسم لوحتها من غير منطق مفهوم، لكن القارئ لهذه اللوحة يستجمع مشاهده حسب رغبته ليخلق لوحة سردية خاصة به؛ إن لعبة الزمن هنا لعبة ممتعة.
وبرغم طول الفترة الزمنية التي تعالجها الكاتبة فإن القارئ لن يشعر بهذا الطول مطلقًا، وهي في الوقت ذاته لم تحدد تاريخًا لهذه الرحلة، غير أننا عبر علامات سردية نستطيع معرفة هذه المرحلة التاريخية؛ لاحظ معي ذكرها لأغنية (لولاكي) التي ظهرت عام 1988.
وربما مما ساعد على سرعة هذا الإيقاع تقسيم الكاتبة للعمل إلى مشاهد سردية جعلت لكل مشهد منها عنوانًا (رغم اختلافي مع كثرة العناوين وطولها في بعض الأوقات)، فقد ساعدت هذه التقسيمات على انتقالنا الميسور بين المشاهد والاستمتاع بجريان الأحداث رغبة في الوصول إلى النهاية.
خاتمة: رواية عن ظلم الأسرة ورحلة العثور على الذات
وبعد، فقد كنا في رحلة طويلة مع نداء؛ تعاطفنا معها وكنا إلى جوارها في لحظات ضعفها، وانتصرنا معها في لحظات التطهر من عقد الماضي التي كانت متغلغلة في لاوعيها.
لم نكن أمام رواية تبحث عن الإثارة والحبكة والمفاجأة، بل رواية تعالج قضية ظلم لا تكاد تخلو منها أسرة: ظلم الأسرة للأخ الأكبر، وأمام نموذج إنساني هزمته عقد الماضي ومخاوف التجارب السلبية.
إذا كانت الكاتبة قد جعلتنا نحزن لأجل نداء كل لحظات السرد، فإنها أدخلت إلى نفوسنا البهجة والفرح والسرور ونحن نسير مع نداء على شاطئ البحيرة في جنيف وهي تنظر إلى العالم بنظرة جديدة، نظرة التي اكتشفت نفسها وعثرت عليها بعد طول غياب.

التعليقات