التخطي إلى المحتوى

سباق محموم مع موجات الغلاء… والتحذير الأممي يعلو

تجد حكومات العالم نفسها اليوم في مواجهة سباق محموم ضد الزمن، محاولةً احتواء موجات الغلاء المتلاحقة والارتفاعات الجنونية في تكاليف المعيشة، وفي القلب منها أسعار الطاقة والمواد الغذائية الأساسية.

وقد جاءت التحذيرات الدولية العاجلة التي أطلقها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتضيف طبقة جديدة من القلق، محذِّراً من تداعيات خطيرة تثقل كاهل الموازنات العامة وتضغط على شبكات الأمان الاجتماعي في آنٍ واحد.

تريليون دولار على المحك… والأرقام تتحدث

تشير التقديرات الاقتصادية الحديثة إلى أن فاتورة الدعم الحكومي للوقود الأحفوري تسير بخطى ثابتة نحو تجاوز حاجز التريليون دولار، مع توقعات بأن تبلغ نحو 1.1 تريليون دولار في عام 2026، أي أعلى بنحو 410 مليارات دولار مقارنة بعام 2025.

هذا القفز الصاروخي يعود بصورة رئيسية إلى التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط العالمية، والتي فرضت واقعاً اقتصادياً معقداً يصعب على الدول تجاهله دون إحداث هزات اجتماعية واسعة.

وللمقارنة، فإن الدعم العالمي للوقود الأحفوري كان قد بلغ ذروة تاريخية عند 1.68 تريليون دولار في 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو 921 مليار دولار في 2024.

أما الدعم الصريح وحده فقد قدّر بنحو 0.73 تريليون دولار في 2024، أي ما يعادل 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع تحمّل المستهلكين نحو 85% منه والمنتجين 15% المتبقية.

وإذا أضفنا التكاليف الضمنية — كالتلوث والأضرار الصحية والبيئية — فإن الرقم الكلي يقفز إلى ما يقارب 7 تريليونات دولار سنوياً، وهو ما يعادل 7.1% من الاقتصاد العالمي.

ماذا يعني التريليون دولار؟ الفاتورة الخفية للدعم

للتقريب إلى الأذهان، تريليون دولار ليس مجرد رقم على ورق.

فهو يقارب:.

  • قيمة الاقتصاد السنوي لدول بحجم هولندا أو تركيا مجتمعين.
  • أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ السنوي المطلوب لسد فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة في الدول النامية.
  • ما يكفي لتوفير الكهرباء النظيفة لأكثر من مليار شخص لا يحصلون عليها اليوم.

ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن إجراءات الدعم هذه ساعدت في تجنّب تراجع نحو 130 مليون شخص إضافي إلى ما دون خط الفقر البالغ 6.85 دولار يومياً هذا العام، وهو ما يمنح الفاتورة الضخمة بعداً إنسانياً لا يمكن إنكاره.

معضلة الاختيار: الإصلاح المالي أم حماية الطبقات البسيطة؟

تواجه الإدارات الحكومية معادلة بالغة الصعوبة: كيف توازن بين تنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي وضبط عجز الموازنات، وبين ضرورة استمرار دعم السلع الحيوية والحفاظ على شبكات الأمان الاجتماعي؟ هذه المعادلة تضع صانعي القرار أمام خيارات محدودة، خصوصاً أن إلغاء الدعم المفاجئ أو غير المدروس قد يفتح الباب أمام احتجاجات اجتماعية وأزمات سياسية، كما حدث في دول عديدة خلال العقود الماضية.

ويطرح الخبراء بدائل أكثر ذكاءً، أبرزها التحوّل من الدعم الشامل إلى الدعم الموجَّه، أي إعادة توجيه الموارد إلى الفئات الأشد فقراً عبر تقنيات التحقق من الدخل والتحويلات النقدية المباشرة، بدلاً من استفادة الأثرياء منها بقدرٍ أكبر.

طبقة سميكة من الفقر المدقع والأرقام الاجتماعية

في المقابل، يواصل القراءة الكلاسيكية للميزانية الأرقام الخضراء بنبرة قاتمة، إذ قالت دراسة جديدة لمؤسسة «كيرالدو» : «ما يقرب من نصف النمو في الفقر المدقع العالمي خلال السنوات الخمس الماضية، جاء من أزمة أسعار الطاقة والغذاء الكارثية».

ووفقاً لأحدث توقعات البنك الدولي، اتسع نطاق الفقر المدقع بنسبة 33% في دول تتأرجح بين 10% و80% من معدلات الفقر المدقع، بينما توقفت هذه النسب في دول منخفضة تتجاوز 80%، ما يشير إلى أن أكثر الشخص فقراً في العالم محصنة إلى حد كبير ضد الأزمات الخارجية.

يضاف إلى ذلك أن 1.2 مليار شخص عاشوا في فقر مدقع عام 2024، وهو أعلى من التقديرات السابقة بنحو 112 مليون شخص.

وذكرت التقارير أن معدلات الفقر المدقع، التي يقاسها على أساس خط فقر 3 دولارات يومياً، تراجعت من 28.8% في عام 2016 إلى 26.7% في عام 2024، لكنها لا تزال أعلى من متوسط 2015-2016 البالغ 27.6%.

عواقب الارتفاعات والتوقعات المستقبلية

تتفاقم الصورة أكثر مع توقعات تراجع النمو العالمي وارتفاع نسبة الدين العام، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الدول على مواصلة سياسات الدعم في ظل التباطؤ الاقتصادي.

ويرى مراقبون أن محاولة تحقيق «العدالة المناخية والاجتماعية» في المناطق الحضرية تتطلب توجيه الاستثمارات نحو أنظمة الطاقة النظيفة والنقل الجماعي، بدلاً من تقديم الدعم للوقود الأحفوري الذي يفيد الفئات الأكثر ثراءً.

ووفق هذه الرؤية، يمكن أن يؤدي إلغاء الدعم المنظم والتدريجي إلى خفض الانبعاثات العالمية بنسبة تصل إلى 10% بحلول عام 2030، مع توفير موارد مالية ضخمة يمكن إعادة توجيهها نحو التعليم والصحة والطاقة المتجددة — وهي استثمارات تعود بفوائد مضاعفة على الاقتصادات والمجتمعات على حد سواء.

الخلاصة

مع اقتراب فاتورة الدعم العالمي من تجاوز التريليون دولار من جديد، يجد صنّاع القرار أنفسهم أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في سياسات دعم تحمي الفقراء اليوم لكنها تثقل الموازنات وتضرّ البيئة، أو الانطلاق في إصلاحات جذرية ومدروسة توازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.

ويبقى السؤال ملحّاً: إلى متى تستطيع خزائن الدول تحمّل هذه المعادلة الصعبة؟.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *