مقدمة: جدل متجدد حول التبرع بالأعضاء بعد الوفاة في مصر
عادت قضية التبرع بالأعضاء البشرية بعد الوفاة إلى صدارة النقاش الديني والطبي في مصر، وهي مسألة تجمع بين البعد الإنساني العميق والحكم الشرعي الدقيق، ويبحث فيها آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصة جديدة للشفاء، من مرضى الفشل الكلوي والكبدي إلى مرضى القرنية والقلب، في ظل قوائم انتظار طويلة قد تمتد لسنوات.
ويطرح المواطنون الراغبون في فعل الخير تساؤلات متكررة: هل يجوز شرعاً التبرع بأعضائهم بعد مفارقة الحياة؟ وما الضوابط التي تحفظ حرمة الجسد البشري؟ وهل يوجد إجماع فقهي أم أن المسألة محل خلاف بين العلماء؟
رأي علماء الأزهر الشريف في التبرع بالأعضاء
أوضح الدكتور عبد العزيز النجار، أحد أبرز علماء الأزهر الشريف، أن مسألة التبرع بالأعضاء البشرية بعد تحقق الوفاة تحظى باهتمام كبير من المؤسسة الدينية، مشيراً إلى وجود تباين واختلاف فقهي اجتهادي بين العلماء حول تفاصيل هذه القضية الحساسة.
وينقسم الموقف الفقهي في هذا الشأن إلى اتجاهين رئيسيين:
- الاتجاه المؤيد: يرى أن في التبرع مصلحة راجحة وإنقاذاً لحياة البشر، استناداً إلى القاعدة الفقهية “الضرورات تبيح المحظورات”، ومبدأ “تقديم المصلحة العامة على المفسدة”، مسنداً جوازه إلى فتاوى متعددة أباحتها بشرط الإذن المسبق للمتبرع أو موافقة أهله.
- الاتجاه المتحفظ: يضع شروطاً وضوابط صارمة لضمان حرمة الجسد البشري، مستنداً إلى تكريم الله للإنسان بنص القرآن الكريم: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ”، ويرى أن البدن ليس ملكاً مطلقاً للإنسان بل هو أمانة مؤقتة.
وصية إنسانية مؤثرة لشيخ أزهر راحل
وأضاف العالم الأزهري في تصريحات تلفزيونية وإعلامية، أن باب الاجتهاد يظل مفتوحاً أمام النازلة الطبية المستجدة، مستشهداً بمواقف لرموز كبار في المؤسسة الدينية.
فقد أقدم شيخ أزهر راحل على خطوة إنسانية جريئة ومؤثرة، تمثلت في التوصية المسبقة بالتبرع بقرنية العين بعد الوفاة، لتكون بذلك إشارة عملية واضحة تدعم التوجه الذي يجيز الانتفاع بالأعضاء لرفع المعاناة عن المرضى والمحتاجين، شريطة توافر الشروط الشرعية والطبية المعتبرة التي تحفظ كرامة الإنسان حياً وميتاً.
الضوابط الشرعية والطبية للتبرع بالأعضاء
وقد وضعت الجهات الشرعية والطبية جملة من الشروط لضمان شرعية عملية التبرع وحفظ كرامة الجسد، ومن أبرزها:
- تحقق الوفاة الطبية الكاملة وفق المعايير المعتمدة، وليس الغيبوبة أو الحالة الحرجة القابلة للشفاء.
- وجود إذن مسبق من المتبرع نفسه، أو موافقة شرعية صريحة من ورثته بعد وفاته.
- عدم تعارض التبرع مع أي مصلحة حيوية للمتبرع في حياته أو أي حرج على الجثة.
- أن يكون التبرع مجاناً ودون مقابل مادي، لأن بيع الأعضاء محرم شرعاً.
- أن تتحقق مصلحة متيقنة للمريض المستقبِل، وتكون الحاجة إليه ضرورية لا تحتمل التأجيل.
- الإشراف الطبي الكامل من قبل جهة موثوقة تضمن نزاهة العملية وعدم حدوث تجارة بالأعضاء.
أهمية التبرع بالأعضاء وأثره الإنساني
يكتسب التبرع بالأعضاء بعد الوفاة أهمية بالغة في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في الأعضاء المتاحة، فبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، يموت يومياً عدد كبير من المرضى وهم على قوائم الانتظار بسبب عدم توفر المتبرعين.
ومن بين الأعضاء والأنسجة الأكثر طلباً:
- الكلية: أكثر عمليات الزرع انتشاراً، إذ يستطيع المتبرع الواحد إنقاذ حياة مريض فشل كلوي.
- الكبد والقلب والرئتان: أعضاء حيوية تحتاج إليها عمليات زرع عاجلة.
- القرنية والأنسجة: تمنح مئات الآلاف من المصابين بالعمى فرصة استعادة أبصارهم.
- نخاع العظم والجلد: يلعب دوراً محورياً في علاج مرضى السرطان والحروق.
ويبقى التبرع بالأعضاء في جوهره عملاً من أعمال الصدقة الجارية، حيث يمتد أثر المتبرع بعد وفاته إلى إنقاذ أرواح ومصائر أسر ومرضى، ما جعله محط تقدير في مختلف الديانات السماوية والمذاهب الفقهية.
خلاصة: بين الاجتهاد الفقهي والتطبيق الطبي
خلاصة القول إن قضية التبرع بالأعضاء بعد الوفاة تظل من النوازل المستجدة التي يعالجها الاجتهاد الفقهي المستنير، ولا سيما في ضوء تقدم الطب وزراعة الأعضاء.
ويبقى الموقف الأرجح عند كثير من العلماء هو الجواز المشروط بضوابطه الشرعية والطبية، مع التأكيد الدائم على تكريم الله للإنسان حياً وميتاً، ووجوب وضع ضوابط رقابية صارمة تضمن أن يبقى هذا العمل الخيري بعيداً عن أي استغلال أو تجارة.

التعليقات