يشهد المشهد السياسي الدولي تحولات متسارعة وغير مسبوقة، وسط ترقب عالمي واسع لما ستسفر عنه السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الجديدة، في ظل تعقيدات إقليمية متشابكة تفرض نفسها بقوة على طاولة صنع القرار في واشنطن، وتضع الإدارة الأمريكية أمام اختبارات متتالية تتطلب حسابات دقيقة توازن بين المصالح الاستراتيجية والالتزامات الدولية.
ترامب أمام اختبار تاريخي
أكد الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، أن الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب تقف أمام محطة مفصلية بالغة الأهمية، قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة.
وأوضح غباشي أن شخصية ترامب الكاريزمية والفريدة تفرض نمطاً سياسياً مغايراً تماماً للتقاليد المعهودة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وهو ما يجعل خطواته القادمة محط أنظار العالم بأسره، خاصة فيما يتعلق بالملفات الساخنة في منطقة الشرق الأوسط، من الملف النووي الإيراني إلى القضية الفلسطينية والأزمات في سوريا واليمن ولبنان.
طهران تفرض قواعد اللعبة الجديدة
وفي سياق متصل بالصراع المتصاعد، أشار المحلل السياسي إلى أن الجانب الإيراني استطاع بحنكة استراتيجية أن يفرض شروطه وأجندته بوضوح على طاولة أي تفاوض محتمل، مستفيداً من تراكم خبراته الدبلوماسية ومن شبكة تحالفاته الإقليمية الممتدة.
وهذا التفوق في فرض الشروط يعكس مدى تعقيد المشهد أمام البيت الأبيض، ويضع الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة تتطلب تعاملاً دقيقاً وحذراً لتجنب الانزلاق نحو مواجهات أوسع نطاقاً، مما يعيد رسم خارطة النفوذ الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة.
انعكاسات على موازين القوى الإقليمية
ويرى مراقبون أن قدرة طهران على تحديد أجندة التفاوض تنبع من جملة عوامل، أبرزها تطور برنامجها النووي والصاروخي، وتعميق تحالفاتها مع دول ومناطق نفوذ تمتد من العراق إلى اليمن ولبنان وسوريا، إضافة إلى التقارب المتسارع مع كل من روسيا والصين، وهو ما يمنحها أوراق ضغط إضافية في أي مواجهة دبلوماسية مع واشنطن.
في المقابل، تواجه الإدارة الأمريكية معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري المفتوح يحمل مخاطر استراتيجية واقتصادية كبيرة، بينما يوفر المسار الدبلوماسي فرصة لاحتواء الأزمة شرط تقديم تنازلات متبادلة قد لا تجد قبولاً لدى الأطراف الداخلية في كلا البلدين.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
وتتعدد السيناريوهات أمام واشنطن في التعامل مع المشهد الإيراني؛ فمن سيناريو العقوبات الاقتصادية المشددة والسعي إلى تطويق طهران، إلى سيناريو التفاوض المباشر والوصول إلى تفاهمات جزئية تحقق مصالح متبادلة، وصولاً إلى سيناريو المواجهة المحدودة في منطقة رمادية تحاول فيه الأطراف تجنب الحرب الشاملة.
ويبقى القاسم المشترك بين كل هذه السيناريوهات هو أن الشرق الأوسط يعيش لحظة تحول تاريخية، وأن أي قرار تتخذه الإدارة الأمريكية الجديدة سيكون له صدى واسع لا يقتصر على المنطقة وحدها، بل يمتد ليطال موازين القوى على الساحة الدولية بأكملها.

التعليقات