مجلس النواب المصري يحسم الجدل حول طلب رفع الحصانة النيابية
شهدت أروقة مجلس النواب المصري تطورات لافتة خلال الساعات الأخيرة، بعدما حسمت هيئة المكتب الجدل الدائر حول طلب قضائي رسمي ورد من مكتب النائب العام، يتعلق باتخاذ إجراءات قانونية بحق أحد أعضاء المجلس.
وقد أثار هذا الملف اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والبرلمانية، لما يحمله من دلالات تتصل بعلاقة السلطة التشريعية بالسلطة القضائية، وبحدود ممارسة الحصانة النيابية المنصوص عليها في الدستور واللائحة الداخلية للمجلس.
رفض رسمي وفحص قانوني موسع
أعلن المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، رفض الطلب الرسمي الوارد من النيابة العامة بشأن رفع الحصانة عن أحد أعضاء المجلس.
وجاء هذا القرار بعد فحص دقيق وموسع للطلب من الناحيتين القانونية والموضوعية داخل اللجان المختصة، قبل أن ينتهي المجلس إلى قراره النهائي بحفظ الطلب بشكل كامل وعدم المضي في إجراءات رفع الحصانة.
وتمر إجراءات رفع الحصانة النيابية في مصر عبر مسار محدد، يبدأ بوصول الطلب من النيابة العامة إلى مكتب المجلس، ثم إحالته إلى لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية لدراسته، وإعداد تقرير مفصل يُعرض على الأعضاء للتصويت عليه.
ويشترط الدستور المصري أن يصدر قرار رفع الحصانة عن العضو بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس، وهو ما يمنح هذه المسألة ضمانات إجرائية واضحة تمنع تسييسها أو التعامل معها على نحو متعجل.
وتكمن أهمية الحصانة النيابية في كونها ضمانة دستورية تهدف إلى تمكين النائب من أداء مهامه الرقابية والتشريعية بحرية، دون الخوف من الملاحقة بسبب آرائه أو مواقفه أو أدائه لوظيفته البرلمانية، مع التأكيد في المقابل على أن هذه الحصانة ليست درعاً يحمي مرتكبي الجرائم، بل هي إجراء إجرائي مؤقت لا يعني إسقاط المسؤولية الجنائية مطلقاً.
«الشبهة الكيدية»: الأساس القانوني لقرار الحفظ
كشفت المتابعات داخل المجلس أن قرار الحفظ لم يأتِ من فراغ، بل استند إلى اعتبارات قانونية واضحة تؤكد وجود «شبهة كيدية» تحيط بالبلاغ المقدم ضد النائب.
وفي هذا السياق، شدد البرلمان على حرصه الدائم على حماية أعضائه من أي محاولات لتعطيل دورهم الرقابي والتشريعي عبر بلاغات غير جادة، مؤكداً في الوقت ذاته على مبدأ سيادة القانون ومساواة الجميع أمامه متى انتفت الكيدية وتوافرت الأدلة الجدية.
ويُعد مفهوم «الشبهة الكيدية» من المفاهيم القانونية المهمة في هذا الإطار، إذ يشير إلى وجود قرائن أو مؤشرات تفيد بأن الهدف من البلاغ ليس الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة، وإنما الانتقام أو الضغط أو تعطيل عمل النائب.
ومن أبرز مؤشرات ذلك: توقيت تقديم البلاغ، وعدم كفاية الأدلة الأولية، ووجود خصومة سابقة بين طرفي البلاغ، وتكرار الشكاوى من دون سند جديد، أو الإخلال بضمانات الشكوى الجدية.
سياق أوسع: جدل دائم حول الحصانة البرلمانية
لا تعد هذه الواقعة الأولى من نوعها، إذ تشهد الساحة البرلمانية المصرية بين حين وآخر نقاشات حول استخدام الحصانة، بين من يرون فيها ضمانة لا غنى عنها لاستقلال النائب، ومن يطالبون بوضع ضوابط أكثر صرامة تمنع أي استغلال لها بما يخالف مبدأ المساءلة.
ويجمع المتابعون على أن التوازن الحقيقي يتحقق حين تُصان الحصانة كحق إجرائي للنائب، وفي الوقت نفسه لا تصبح مانعاً أمام محاسبة أي عضو تثبت ضده أدلة جدية.
ومن المرجح أن يظل هذا الملف محل نقاش خلال الفترة المقبلة، لا سيما في ظل المتابعة الإعلامية والشعبية الواسعة للقرارات البرلمانية التي تمسّ أعضاء المجلس، ومدى التزامها بالدستور واللائحة الداخلية.
خلاصة
في المحصلة، جاء قرار مجلس النواب بحفظ طلب رفع الحصانة بمثابة رسالة مزدوجة: تأكيد على حماية العضو من الشبهات الكيدية التي تعطّل عمله البرلماني، وتشديد في الوقت نفسه على أن سيادة القانون ومساءلة الجميع تبقى قائمة كلما توافرت الأدلة الجدية والأسباب القانونية السليمة.

التعليقات