المنشية.
حين تحوّل مكتب المحامي إلى مسرح للدم.
في قلب حي المنشية العريق بمحافظة الإسكندرية، حيث تتكدس مكاتب المحامين والمحاكم وبوابات القضاء، كانت السيدة الثلاثينية (أ.م.) تظن أن خطواتها الرصينة نحو مكتب أحد المحامين المعروفين ستطوي صفحة مؤلمة من حياتها، وتضع حداً نهائياً لخلافات ما بعد الطلاق.
لكن ما جرى داخل ذلك المكتب حوّل جلسة تسوية قانونية روتينية إلى مشهد دموي صادم، راح ضحيته زهرة شابة، على يد طليقها الذي رفض أن ينتهي ارتباطهما بالطرق القانونية، مفضّلاً أن يكتب نهاية الحكاية بالسلاح الأبيض.
كواليس الجريمة.
تفاصيل دقيقة.
بحسب ما تداولته مصادر مطلعة، توجهت الضحية (30 عامًا) إلى مكتب المحامي لاستكمال إجراءات تسوية الخلافات المالية والقانونية الناتجة عن الانفصال.
وحال دخولها إلى المكان، باغت طليقها الحاضرين وظهر أمامها فجأة، قبل أن يستلّ سلاحاً أبيض ويوجه لها طعنات قاتلة، منها ما أصاب مناطق حساسة في جسدها، مما أسقطها غارقة في دمائها وسط ذهول وصراخ من كانوا في المكتب.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن الجاني خطّط مسبقاً لتلك اللحظة، إذ لم يكن حضوره في المكتب مصادفة، بل جاء في إطار ترصّد الضحية واستغلال معرفته بموعدها المحدد مع المحامي، في دليل يضاف إلى سلسلة حوادث العنف الأسري المرتكبة ضد النساء في مصر.
رد فعل الحاضرين والجهات الأمنية
سيطرت حالة من الفزع والهستيريا على من كانوا في المكتب، وتدافع البعض للهروب من موقع الجريمة، بينما حاول آخرون السيطرة على الجاني الذي لم يبدِ ندمه بحسب شهود عيان.
وعلى الفور، انتقلت قوة أمنية برفقة الإسعاف إلى مكان البلاغ، غير أن محاولات الإنعاش لم تُجدِ نفعاً، وأعلن الأطباء وفاة السيدة قبل نقلها إلى المستشفى.
وأفادت التحريات الأولية بأن الجاني يُقيم في منطقة مجاورة، وأنه تلقّى بلاغات سابقة من الضحية بسبب تهديدات متكررة واعتداءات لفظية وجسدية بعد الطلاق، لكن تلك البلاغات لم تُفضِ إلى حلٍّ حاسم يمنع الوقائع الدامية.
إخفاء الخبر عن الأم.
رحمة بلون الجحيم.
في مشهد يقطر ألماً، تعمّد أفراد أسرة الضحية والمقرّبون منها التكتم الشديد على الخبر المفجع، رافضين إبلاغ الأم المسنّة بالواقعة حتى الآن، خوفاً على صحتها وقلبها المرهف، خصوصاً أنها كانت شديدة التعلق بابنتها التي كانت سنداً لها في سنواتها الأخيرة.
ويبقى السؤال المرّ: إلى متى سيبقى هذا الستار من الكتمان قائماً؟.
أرقام وإحصاءات تُشعل القلق
لا تُعدّ هذه الحادثة استثناءً في المشهد المصري؛ فقد سجّلت تقارير حقوقية ونقابية ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات جرائم قتل النساء على خلفية خلافات أسرية وخلافات ما بعد الطلاق، في ظاهرة يعتبر خبراء الاجتماع أنها تجمع بين خلل في التطبيق القانوني وضعف شبكة الحماية الاجتماعية والثقافة الذكورية التي لا تزال ترى في المرأة ملكية لا شريكاً.
وتؤكد الإحصاءات أن ما يقارب ثلثي جرائم العنف الأسري تتمركز في المدن الكبرى، ومنها الإسكندرية، وأن الحالات التي تُفرَد بالإبلاغ المسبق تُعدّ مؤشراً على إمكانية التنبؤ بالمخاطر ولو بدرجة بسيطة.
تحقيقات ومحاكمة عاجلة.
المطالب الحقوقية.
تشير الجهات الأمنية إلى أن التحقيقات الجارية تشمل تفريغ كاميرات المراقبة في محيط المكتب، وسماع أقوال الموظفين والمحامي صاحب المكتب، ومراجعة بلاغات الضحية السابقة.
وجرى تحرير محضر بالواقعة، وتقرر إحالة الجاني إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، وسط تمنيات بأن تكون العقوبة رادعة ومتوافقة مع جسامة الجريمة.
في المقابل، تطالب منظمات حقوق المرأة بتشديد العقوبات على مرتكبي جرائم قتل النساء (الفيميسايد)، وتفعيل أوامر الحماية والمنع من الاقتراب بشكل فعال، وتوفير ملاذات آمنة للنساء المعنّفات، حتى لا تتحول مكاتب المحامين ودور المحاكم إلى ساحات للانتقام الدموي.
دلالات الحدث.
ما بعد منشية الإسكندرية.
تشكّل هذه الجريمة اختباراً حقيقياً لمنظومة العدالة الجنائية في مصر، ولأدوات الحماية المدنية التي يفترض أن تحمي النساء المعنّفات بعد فترات الانفصال.
فبين لحظة اكتشاف الخطر ولحظة وقوعه، تحتاج النساء إلى من يسمع صوت التحذير المبكر، وإلى قانون يعرف كيف يوقف النوايا القاتلة قبل أن تتحول إلى أفعال لا رجعة فيها.

التعليقات