بقلم: مصطفى محمد القرشي
لم تعد الاستثمارات العابرة للحدود مجرد انتقال لرأس المال من سوق إلى أخرى، بل أصبحت في كثير من القطاعات الحديثة قائمة على تصدير المعرفة والخبرة المتراكمة في بيئة جيولوجية معينة، ثم البحث عن امتدادها الطبيعي في أرض أخرى تشترك معها في الجذور الجيولوجية ذاتها.
ومن هذا المنطلق، يكتسب تحرك شركة «مصفاة الذهب السعودية» نحو قطاع التعدين المصري أهمية تتجاوز مجرد إعلان شركة سعودية نيتها الحصول على رخص جديدة خارج حدودها، ليقترب من كونها خطوة عملية نحو تكامل تعديني واستثماري عابر للبحر الأحمر.
التوأمة الجيولوجية.
الدرع العربي–النوبي يجمع الضفتين.
يتقاسم كل من مصر والسعودية نطاقًا جيولوجيًا بالغ الأهمية هو الدرع العربي–النوبي؛ فالدرع العربي في غرب السعودية والدرع النوبي في الصحراء الشرقية المصرية ليسا سوى امتدادين لنظام جيولوجي واحد، ارتبطت تكويناته بوجود الذهب والنحاس والفضة والزنك وعدد من المعادن الأساسية والصناعية.
وقد تشكل هذا النطاق قبل نحو 550 إلى 900 مليون سنة بفعل أنشطة تكتونية وصهارية متشابهة، ما جعلهما يظهران خصائص معدنية متقاربة.
ولم يبقَ هذا الامتداد الجيولوجي خلفية علمية جامدة؛ فالدرع العربي–النوبي حضر في صميم النسخة الخامسة من منتدى مصر للتعدين 2026، التي انعقدت يومي 28 و29 سبتمبر تحت شعار «إطلاق الإمكانات الاستكشافية لمصر والدرع العربي النوبي»، في إشارة واضحة إلى الرهان على تحويل الجيولوجيا إلى فرص استثمارية واقتصادية ملموسة.
وانتقل هذا المعنى من الجيولوجيا إلى طاولة التعاون الثنائي أيضًا؛ إذ بحث وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مع نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي لشؤون التعدين خالد المديفر، على هامش المنتدى، سبل تعزيز التعاون في التدريب وتبادل الخبرات التعدينية، مستندين إلى ما يجمع البلدين من مقومات جيولوجية مشتركة ضمن نطاق الدرع العربي–النوبي.
من الخبرة السعودية إلى الصحراء الشرقية
لا تدخل مصفاة الذهب السعودية السوق المصرية من نقطة الصفر؛ فالشركة تعمل داخل السعودية في سلسلة تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى التكرير والتصنيع والخدمات المرتبطة بها، ويمتد نشاطها إلى نحو 40 رخصة تعدينية وفق تصريحات رئيس مجلس إدارتها سليمان العثيم.
ويأتي هذا التوسع في وقت تسعى فيه الرياض إلى تطوير قطاع التعدين ليكون الركيزة الثالثة للاقتصاد السعودي بعد النفط والبتروكيماويات، ضمن مستهدفات رؤية 2030 التي ترمي إلى رفع مساهمة التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 64 مليار دولار بحلول العام نفسه.
والآن تتجه هذه الخبرة إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر؛ فقد تقدمت الشركة للحصول على سبع رخص تعدينية في مصر، مع تركيز توسعها على الذهب والنحاس، وأعلنت استهداف استثمار يصل إلى نحو 200 مليون دولار في أعمال الاستكشاف والتعدين في السوق المصرية بحلول 2030.
وكانت الشركة قد تحدثت في وقت سابق عن نحو 10 ملايين دولار كاستثمارات أولية لأعمال الاستكشاف، ترتفع تدريجيًا في حال الانتقال إلى مراحل الإنتاج والتصنيع.
وفي تصريح آخر خلال المنتدى، أعلنت الشركة أنها تخطط لإنتاج نحو 500 ألف أونصة من الذهب في السعودية بحلول 2030، ما يجعل التوسع المصري جزءًا من استراتيجية إقليمية أوسع وليس مجرد خطوة منفردة.
الاستكشاف ليس اكتشافًا
هنا يجب التوقف أمام فارق جوهري في صناعة التعدين؛ فالحصول على رخصة استكشاف لا يعني وجود منجم اقتصادي جاهز للإنتاج.
فبين أول عينة صخرية وأول سبيكة ذهب سلسلة طويلة من المسوحات والحفر والتحاليل، وتقدير الموارد والاحتياطيات، ودراسات الجدوى، ثم التمويل والتطوير.
وتشير التقديرات الصناعية إلى أن نسبة ضئيلة فقط من مناطق الاستكشاف تصل إلى مرحلة المنجم المنتج، بينما تبقى الغالبية العظمى في مراحل الموارد أو المشاريع المتعثرة.
ولهذا فإن الحديث عن سبع رخص مصرية ينبغي أن يُقرأ باعتباره سبع فرص تعدينية واستكشافية محتملة، لا سبعة مناجم مكتشفة.
وهذا التمييز ليس لغويًا فحسب، بل اقتصادي؛ لأن قيمة الأصل التعديني تتغير جذريًا كلما انتقل من احتمال جيولوجي إلى مورد، ثم إلى احتياطي قابل للاستخراج اقتصاديًا، ثم مشروع قابل للتمويل، وأخيرًا إلى منجم منتج.
ويُضاف إلى ذلك أن دورة التعدين طويلة بطبيعتها؛ إذ قد تستغرق المراحل الأولى من الاستكشاف إلى الإنتاج ما بين 10 و15 سنة في كثير من المناجم الكبرى، ما يجعل الاستثمار التعديني بحاجة إلى «نفس طويل» وقدرة على تحمل تقلبات الأسواق والدورات الاقتصادية.
مصر تغيّر قواعد اللعبة التعدينية
تأتي الخطوة السعودية في توقيت يشهد فيه قطاع التعدين المصري تحولًا في طريقة طرح الفرص أمام المستثمرين؛ فمنذ إطلاق نظام طرح القطاعات التعدينية بنظام المناطق المفتوحة في 10 يونيو 2026، تقدمت 119 شركة، من بينها أكثر من 14 شركة أجنبية، بإجمالي 403 عروض على 118 قطاعًا من أصل 335 قطاعًا مطروحًا، تمتد على مساحة تقارب 45 ألف كيلومتر مربع.
وتشمل قائمة الدول التي جاءت منها الشركات الأجنبية أستراليا والمملكة المتحدة وكندا والسعودية وتركيا وجنوب أفريقيا والهند والصين.
ويعكس هذا التنوع الجيولوجي والجيوسياسي حجم المنافسة على قطاع التعدين المصري، لا سيما في ظل سعي مصر إلى رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من مستويات متدنية إلى نحو 5% خلال السنوات المقبلة، ضمن رؤية الدولة لتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن قناة السويس والسياحة وتحويلات العاملين.
وهذا يعني أن مصفاة الذهب السعودية لا تدخل سوقًا خالية من المنافسة، وإنما ساحة تستقطب شركات وخبرات ورؤوس أموال دولية.
وهنا تظهر أهمية الخبرة الفنية والقدرة التمويلية وطول النفس الاستثماري؛ فالتعدين ليس نشاطًا سريع العائد، بل صناعة قد تستهلك سنوات من الإنفاق قبل أن يتضح ما إذا كان المورد الجيولوجي قابلًا للتحول إلى احتياطي اقتصادي ومنجم منتج.
السكري.
معيار الطموح لا ضمانة النتيجة.
يمثل منجم السكري النموذج الأكثر حضورًا عند الحديث عن ذهب مصر؛ إذ بلغ إجمالي إنتاجه نحو 6.8 مليون أوقية منذ بدء الإنتاج في يونيو 2009، ويُعد من أكبر مناجم الذهب في العالم المفتوحة، ويقع في الصحراء الشرقية ضمن النطاق الجغرافي نفسه الذي تهتم به الشركة السعودية.
ومن هنا تكتسب طموحات الشركة السعودية أهميتها، لكن ينبغي الفصل بين الطموح الجيولوجي والنتيجة التجارية؛ فما ستكشفه الحفارات هو الذي سيحدد في النهاية إن كانت المناطق المستهدفة تحمل مشروعات كبيرة، أم موارد أصغر، أم أنها لن تتجاوز مرحلة الاستكشاف.
فالجيولوجيا الواعدة لا تصنع منجمًا بمفردها.
فهناك مخاطر الاستكشاف، وكلفة الحفر والتطوير، والحاجة إلى الطاقة والمياه والطرق والخدمات، فضلًا عن أسعار الذهب وتكاليف التشغيل والتمويل والاشتراطات البيئية والتنظيمية.
ومع هذا، فإن المخاطر نفسها تفسر القيمة الكبيرة التي قد يحققها اكتشاف ناجح، خاصة في ظل تجاوز أسعار الذهب العالمية مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، ما يرفع جاذبية المشروعات الاستكشافية ويجعل المخاطرة المحسوبة أكثر منطقية.
من الحفر إلى شاشة التداول
هنا نصل إلى زاوية أخرى مهمة في القصة؛ فالتوسع الجغرافي للشركة لا ينفصل عن استعدادها لدخول السوق المالية السعودية.
وبحسب تصريحات سابقة لرئيس مجلس إدارتها، تخطط الشركة لطرح نحو 30% من أسهمها خلال الفترة من 2028 إلى 2030، مع استهداف امتلاك مخزون يتراوح بين 5 و10 ملايين أونصة من الذهب قبل الطرح.
وتشير تصريحات أحدث إلى استهداف عامي 2028 أو 2029 للطرح.
وإذا نجحت الشركة في زيادة قاعدة مواردها واحتياطياتها وإضافة مناجم منتجة، فإن ما سيُعرض على المستثمر مستقبلًا لن يكون مجرد نشاط لتكرير الذهب وتصنيعه، بل شركة تمتلك محفظة من الأصول التعدينية داخل السعودية وخارجها.
وهنا يصبح الاستكشاف في مصر جزءًا محتملًا من قصة القيمة المستقبلية للشركة، وليس مجرد توسع جغرافي، وهو ما يتوافق مع توجهات سوق المال السعودية نحو استقبال شركات من قطاعات غير نفطية تدعم تنويع الاقتصاد.
شركة سعودية خارج الحدود.
ماذا يعني ذلك لرؤية 2030؟.
المغزى الاقتصادي الأوسع أن نجاح شركة تعدين سعودية في بناء أصول خارجية ينسجم مع مسار تنويع الاقتصاد وتوسيع دور القطاع الخاص.
فالمستهدف الرسمي لرؤية السعودية 2030 هو وصول مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، بعدما بلغت القيمة الفعلية 51% في 2025، وهو ما يعني أن توسع الشركات السعودية نحو الأسواق الإقليمية بات جزءًا من استراتيجية الدولة لا مجرد نشاط فردي.
ولا تقتصر القيمة المحتملة للتوسع الخارجي على أرباح شركة واحدة؛ فنجاح الشركات السعودية في أسواق التعدين الإقليمية يمكن أن يفتح أبوابًا أمام شركات الخدمات الجيولوجية والهندسية والتقنية واللوجستية والتمويلية، ويحوّل المعرفة والخبرة المتراكمة محليًا إلى خدمات وقدرات قابلة للتصدير، ما يعزز موقع المملكة كمركز إقليمي لخدمات التعدين والصناعات المرتبطة به.
كما أن إدراج شركة تعدين بعد بناء قاعدة أوسع من الأصول والاحتياطيات يمكن أن يضيف إلى السوق المالية السعودية نشاطًا مرتبطًا بقطاع غير نفطي وبأصول تمتد جغرافيًا إلى أسواق أخرى، ما يجعل سوق المال السعودية أكثر عمقًا وتنوعًا وجاذبية للمستثمرين الدوليين.
البحر الأحمر.
من فاصل جغرافي إلى جسر اقتصادي.
هنا ربما تكمن الزاوية الأهم في القصة؛ فعلى الضفة الشرقية للبحر الأحمر، تتوسع صناعة التعدين السعودية وتراكم شركاتها المعرفة ورأس المال والخبرة.
وعلى الضفة الغربية، تفتح مصر مساحات جديدة للاستكشاف داخل صحرائها الشرقية، وتسعى إلى جذب رأس المال والتكنولوجيا والخبرات الدولية.
وبين الضفتين يمتد نطاق جيولوجي مشترك: الدرع العربي–النوبي.
وإذا أثبتت عمليات الحفر والاستكشاف المقبلة وجود احتياطيات تجارية كبيرة، فلن تكون القصة مجرد شركة سعودية تبحث عن الذهب في مصر، بل نموذجًا أوسع للتكامل الاقتصادي: رأس مال وخبرة سعوديان، وفرص وموارد جيولوجية مصرية، وسلسلة قيمة تبدأ من الاستكشاف والحفر، وتمر بالتعدين والخدمات والتكرير والتصنيع، وقد تصل إلى التمويل والاستثمار وأسواق المال.
عندها يصبح البحر الأحمر أقل من أن يكون فاصلًا بين اقتصادين، وأكثر من أن يكون مجرد ممر ملاحي؛ يصبح جسرًا بين فرصتين، يجمعهما تحت الأرض امتداد جيولوجي واحد، وفوقها مصلحة اقتصادية مشتركة.
وهذه الصورة قد تمهد لاحقًا لنماذج تكامل مماثلة في معادن أخرى، وفي قطاعات طاقة نظيفة وصناعات تحويلية تتقاسمها الضفتان.

التعليقات