في توقيت بالغ الحساسية تمر به المنطقة، برز لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع نخبة من ممثلي مختلف شرائح المجتمع المصري داخل مقر القيادة الاستراتيجية، ليشكل علامة فارقة في مسار تعزيز الجبهة الداخلية.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور طارق فهمي، استشاري العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن اختيار هذا المكان تحديدًا لم يكن اعتياديًا، بل حمل دلالات رمزية وعملية عميقة، إذ يعكس أن الأمن القومي لم يعد حكرًا على المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل أصبح مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمجتمع بكل أطيافه.
مواجهة حروب الجيل الرابع: الشائعات كسلاح ممنهج
أوضح أستاذ العلوم السياسية أن الدولة المصرية تواجه بشكل مستمر حملات ممنهجة تستهدف زعزعة الاستقرار، من خلال بث السموم والأكاذيب عبر منصات التواصل الاجتماعي.ولم يعد ترويج المعلومات المضللة مجرد اجتهادات فردية أو أخطاء عابرة، بل تحول إلى أداة منظمة تُدار باحترافية ضمن ما يُعرف بـ«حروب الجيل الرابع»، وهي الحروب التي تستبدل فيها المواجهة العسكرية التقليدية بمعارك نفسية ومعلوماتية تستهدف وعي الشعوب وإرادتها قبل أراضيها ومقدراتها.وتعتمد هذه الحروب، كما يؤكد الخبراء، على أدوات متجددة باستمرار؛ من بينها الروبوتات الآلية، والحسابات الوهمية، والتضليل المتقاطع، والفيديوهات المفبركة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وكلها وسائل تجعل من الضروري وقفة حاسمة ويقظة تامة من كافة مؤسسات الدولة والمواطنين على حد سواء.
ضرورة ابتكار آليات مؤسسية فاعلة
وشدد الدكتور طارق فهمي في تحليله على أن التصدي لهذه الأكاذيب لا يمكن أن يتم بجهود فردية أو ردود فعل مؤقتة، بل يتطلب بناء منظومة مؤسسية متكاملة وقوية ذات رؤية استباقية لا تنتظر وقوع الأزمة ثم تتعامل معها.ويقوم هذا البناء على ثلاث ركائز أساسية:
- الشفافية المطلقة: إذ يصبح الإفصاح المبكر عن الحقائق والمعلومات هو الدرع الأول الذي يجفف منابع الشائعات قبل انتشارها.
- سرعة الرد المدعوم بالأدلة: بحيث تُبنى ردود الدولة على بيانات موثقة ومصادر موثوقة، لا على النفي المجرد الذي قد يمنح الشائعة حياة أطول.
- نشر الوعي المجتمعي والتعليم المستمر: عبر إدماج مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات في المناهج التعليمية، وتنظيم حملات توعية إعلامية تستهدف الشباب تحديدًا باعتبارهم الفئة الأكثر استخدامًا لمنصات التواصل.
دور الإعلام والمجتمع المدني في المعركة
ويلعب الإعلام دورًا حاسمًا في هذه المنظومة، إذ تقع على عاتقه مسؤولية التحقق المهني من الأخبار قبل نشرها، وتجنب الانسياق خلف عناوين الإثارة التي تغذي حالة الغموض.وفي المقابل، يمكن للمجتمع المدني ومراكز الأبحاث أن يسهموا في رصد الشائعات وتحليل أنماط انتشارها وتقديم توصيات عملية لمؤسسات الدولة.
كما أصبحت فرق الرصد الرقمي تعتمد على أدوات تحليل البيانات للكشف عن الحملات المنسقة، وتتبع مصدرها وتوقيت انطلاقها، ورصد الأنماط المتكررة في نشرها.

التعليقات