التخطي إلى المحتوى

حكم الشرع في تعثر سداد الديون.

ماذا تفعل إذا اختفى صاحب المال؟ المفتي يوضح

.

يُعدّ الاقتراض من الآخرين أمرًا شائعًا بين الناس، إذ يمرّ كثيرون بظروف مالية طارئة تدفعهم إلى اللجوء لأصحاب الأمانة والثقة طلبًا للعون.

غير أن بعض هذه الحالات تنتهي إلى موقف أكثر إرباكًا، حيث يُعجز المدين عن الوصول إلى دائنه عند حلول أجل السداد بسبب السفر أو تغيّر محل الإقامة أو انقطاع سبل الاتصال أو حتى وفاته دون علم ورثته بالمبلغ.

وهنا تبدأ حيرة المؤمن الذي يسعى إلى أداء الحق وإبراء ذمته المالية أمام الله أولًا، وأمام الناس ثانيًا، وهو ما يجعل البحث عن الحكم الشرعي في هذه المسألة أمرًا حتميًا وضروريًا.

حكم الشرع في سداد الديون: لماذا لا يُسقط تعذّر الوصول عن المدين مسؤوليته؟

يؤكد أهل العلم أن الدين أمانة عظيمة ومسؤولية ثقيلة لا تُسقطها الوسائل المادية وحدها، فقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم خطورة المماطلة في رد الحقوق حين قال: «مطل الغني ظلم»، كما شدّد في حجة الوداع على حرمة الأموال بقوله: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام».

وبناءً على ذلك، فإن مجرد تعذّر الوصول إلى الدائن لا يُعفي المدين من التزامه، بل يبقى الحق معلّقًا في ذمته مطالبًا به حتى يُبرأ بيقين.

ولهذا تبقى المسؤولية المالية ثابتة قبل أن تدخل مسألة إسقاط ذلك الحق عن طريق الوفاء أو الاستحلال أو الصدقة عند تعذّر الوصول.

حل حاسم من دار الإفتاء المصرية لمن تعذّر عليه رد الديون

في هذا السياق، حسم الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، الجدل الدائر حول هذه المسألة الملحّة التي تشغل بال الراغبين في تطهير ذممهم المالية.

فقد ورد إلى فضيلته سؤال مباشر من أحد المواطنين يقول فيه: «اقترضت مبلغًا ماليًّا من شخص منذ مدة، وحاولت كثيرًا الوصول إليه لتسديده لكن لم أستطع، فماذا أفعل؟».

وقدّم المفتي إرشادات واضحة ودقيقة للتعامل مع هذا الموقف المعقّد، الذي يضع المدين في حيرة مستمرة بين الخوف من ضياع الأمانة والرغبة الجادّة في رد الحقوق لأصحابها.

وأكّد أن الشريعة الإسلامية لا تتخلى عن صاحب الحق، ولا تعفو عن صاحب الدين بمجرد العجز عن الوفاء بسبب ظرف خارجي، بل تضع له مسارًا تدريجيًا يحفظ الحقوق ويطمئن القلوب.

الخطوات العملية لإبراء الذمة المالية عند اختفاء الدائن

أوضحت دار الإفتاء المصرية أن على المدين الذي بذل أقصى جهده وبحث بكل الطرق المتاحة عن الدائن ولم يوفّق في الوصول إليه أن يستمر في البحث والتحري طالما هناك أمل في لقائه أو معرفة مكانه، وأن يسأل معارفه وجيرانه وأقاربه، ويراجع الجهات الرسمية عند الحاجة، ويستمر في ذلك ما دامت هناك إمكانية للوصول.

أما إذا استحال الوصول إليه نهائيًا وانقطعت السبل تمامًا، فيمكن للمدين أن يتصدّق بالمبلغ المالي نيابة عن الدائن وبنفس نية إيصال الحق لصاحبه، مع الاحتفاظ بحق الدائن كاملًا إذا ظهر في أي وقت لاحق، بحيث يكون المدين مخيَّرًا بين إعطائه المال مرة أخرى أو قبول الثواب الذي حصّله من الصدقة.

حالات خاصة: إذا مات الدائن أو اختفى قبل معرفة الحق

  • إذا مات الدائن: يجب على المدين أن يرد المبلغ إلى ورثته الشرعيين، فإن تعذّر الوصول إليهم أو كانوا مجهولين انطبق عليهم حكم الاختفاء فيجوز التصدق بالمال بنية الوفاء.
  • إذا كان الدائن ينكر الدين: لا يُسقط الإنكار حق المدين في التوقي من دخول المال عليه بغير وجه حق، بل يبقى ثابتًا في ذمته حتى يُرد بالإقرار من صاحب الحق أو بأي طريق مشروع.
  • إذا كان المبلغ لا يكفي أو تلف: يلتزم المدين بضمانه كاملًا لأن الأمانة مضمونة، ولا يسقط عنها الإتلاف أو النقصان.
  • إذا كان الدين مؤجلًا ولم يحل أجله: يجب الانتظار حتى الحلول، فالدين المؤجل لا يجب دفعه قبل أجله إلا بموافقة الدائن.

أهمية كتابة الديون وتوثيقها شرعًا

شدّدت الشريعة على توثيق الديون وكتابتها، قال الله تعالى: {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ}، وحثّ القرآن الكريم على الإشهاد بقوله: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أداء الحقوق ورد الودائع، حتى إنه استدان شعيرًا من يهودي ورهن عند {وَلْيَكْتُب} درعه عند وفاته.

ولهذا فإن توثيق الديون وكتابتها وضبط مواعيدها يحمي الطرفين ويحول بينهما وبين النزاع أو وقوع المدين في الحرج عند تعذر الوصول.

ومن هنا تظهر الحكمة الإسلامية في إرشاد المسلمين إلى كتابة الدين والشهادة عليه، كي لا يضيع حق ولا تدخل الحيرة على المؤمن الحريص على أداء أمانته.

الحكمة الشرعية في حفظ الحقوق وعدم إسقاط المسؤولية

يبدو أن الحكمة الإلهية في تشريع هذه الأحكام تتجلى في ثلاثة أمور: أولها حفظ حقوق الدائنين وعدم تسليط العبث عليها، وثانيها عدم إهدار جهد المدين المخلص الذي يبحث عن صاحب الحق ويريد أداء ما عليه، وثالثها تسهيل إبراء الذمة لمن لا يستطيع الوصول إلى صاحبه.

فالشريعة الإسلامية بُنيت على مراعاة المصالح واستحضار المآلات، مع الالتزام بمبدأ رد الحقوق والوفاء بالعهود.

ولذلك فإن الاستمرار في البحث والتحري قبل اللجوء إلى التصدق يمثل إرشادًا عمليًا متوازنًا بين التيسير والتكليف، ويحفظ للمؤمن أمانته ويحقّق الطمأنينة في قلبه.

خاتمة ونصائح عملية للمدين ومَن تعذّر عليه الوصول إلى صاحب الدين

بناءً على ما تقدم، فإن للمدين الذي تعذّر عليه الوصول إلى صاحب المال أن يتبع الخطوات التالية: أولًا، تكثيف البحث والتحري والاستفسار بكافة الطرق، وثانيًا، الاستعانة بالجهات الرسمية والمعارف للتعرّف على عنوانه أو ورثته، وثالثًا، عدم اليأس أو إسقاط الحق عن نفسه بغير مبرّر.

وأخيرًا، عند الاستحالة الكاملة، يجوز أن يتصدّق بالمال عن صاحب الحق مع الاحتفاظ بحقه في أدائه عند ظهوره، ويُستحسن أن يُشهد على ذلك وأن يسجّل المبلغ وأوصافه وتاريخ الصدقة.

وبهذا تكون الذمة قد بُرئت شرعًا، وهو الطريق الذي يجمع بين أداء الأمانة وحفظ حق الدائن، وفق ما أوضحته دار الإفتاء المصرية لفضيلة المفتي الدكتور نظير عياد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *