التخطي إلى المحتوى

المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: تجربة مصرية تستحق التوقف

من موقع المسؤولية الإعلامية العربية، لا يمكن المرور على ما يقوم به المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر دون توقف، ليس باعتباره تجربة مصرية فحسب، وإنما باعتباره نموذجا يفتح نقاشا عربيا أوسع حول سؤال أصبح ملحا: كيف نحافظ على حرية الإعلام، وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية التي صنعتها سرعة النشر وتعدد المنصات وتراجع الحدود الفاصلة بين الخبر والرأي والتشهير؟

هذا السؤال لم يعد ترفا نظريا.

فالمشهد الإعلامي تغيّر جذريا خلال العقد الأخير، وتحوّلت فيه العلاقة بين المنتج والمتلقي من علاقة عمودية منظّمة إلى شبكة أفقية مفتوحة، يشارك فيها الجميع وينظّمها قليلون.

من الإعلام التقليدي إلى عصر النشر الفوري

لم تعد الصحيفة أو الإذاعة أو شاشة التلفزيون هي المصدر الوحيد للمعلومة.

اليوم يستطيع أي شخص أن يصبح ناشرا في لحظة، وأن يوصل محتواه إلى مئات الآلاف أو الملايين من دون محرر أو مؤسسة أو مراجعة مهنية تسبقه.

هذا التحوّل لم يكن مجرد تغيّر تقني، بل كان تحوّلا في بنية السلطة الإعلامية نفسها.

فبينما كانت المعلومة سابقا تمر عبر سلسلة تحقق ومراجعة قبل وصولها إلى الجمهور، أصبحت اليوم تصل في ثوانٍ، وتنتشر قبل أن يُتحقق منها، وأحيانا قبل أن يعرف صاحبها أنه صار جزءا من قصة لا علاقة له بها.

مكاسب لا يمكن إنكارها

منح هذا التطور الناس مساحة واسعة للتعبير، وفتح أبوابا هائلة أمام الصحافة وصناعة المحتوى، وأتاح لأصوات كانت مهمّشة أن تصل إلى الرأي العام دون وسيط يفلترها.

كما وفر فرصا اقتصادية جديدة لآلاف الشباب العرب في مجالات الإنتاج والتحرير والتصوير والتوزيع الرقمي.

لكنه خلق مسؤوليات جديدة

في المقابل، خلق هذا الانفتاح مسؤوليات جديدة لا يمكن تجاهلها: مسؤولية التحقق، ومسؤولية احترام الخصوصية، ومسؤولية حماية الفئات الأضعف، ومسؤولية التفريق بين النقد المشروع والإساءة المقصودة.

لماذا نحتاج جهة تنظيمية؟

من هنا تأتي أهمية وجود جهة تنظيمية تضع القواعد، وتتابع الالتزام بها، وتتدخل عندما يتحول المحتوى من ممارسة للحق في التعبير إلى تجاوز لحقوق الآخرين أو اعتداء على خصوصيتهم أو خرق للقواعد المهنية.

وأحسب أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر يتحرك في هذا الاتجاه من خلال متابعة المحتوى الإعلامي، والتعامل مع المخالفات، واتخاذ قرارات بحق بعض البرامج أو الإعلاميين عندما يرى أن ما يقدمونه يتجاوز الأكواد والمعايير المنظمة للعمل الإعلامي.

التنظيم ليس منعا

وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين التنظيم والمنع.

التنظيم لا يعني إسكات الإعلام، كما أن وضع قواعد مهنية لا يعني مصادرة الرأي.

بالعكس، الإعلام القوي هو الذي يعرف حدوده المهنية، ويدرك أن حرية الكلمة تقترن دائما بالمسؤولية.

فالمعايير المهنية ليست قيدا على الصحفي، بل هي ما يمنحه المصداقية التي تجعله مختلفا عن صاحب حساب ينشر ما يشاء دون أن يحاسبه أحد.

وهذه المصداقية هي رأس مال المهنة الحقيقي.

الخصوصية: حق أصيل لا ترف قانوني

عندما نتحدث عن خصوصية المواطن، فنحن لا نتحدث عن ترف قانوني أو مهني، نحن نتحدث عن حق أصيل للإنسان في ألا تتحول حياته الخاصة إلى مادة للفرجة لمجرد أن الوصول إليها أصبح ممكنا.

والخصوصية لم تكن يوما بهذا الهشاشة.

فمجرد هاتف محمول يمكنه اليوم التقاط صورة أو تسجيل مكالمة أو توثيق لحظة كان من المفترض أن تبقى بين جدران بيت.

ومع كل هذه الإمكانات، يتضاعف حجم المسؤولية على من ينشر، لا على من يقع عليه النشر فقط.

الأطفال: الخط الأحمر الأهم

وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، تصبح المسؤولية أكبر بكثير.

الطفل ليس شخصية عامة، ولا يملك في كثير من الحالات القدرة على تقدير آثار ظهور صورته أو تفاصيل حياته في وسائل الإعلام ومنصات التواصل.

ولذلك فإن حماية الطفل من التشهير والاستغلال وكشف الخصوصية يجب أن تكون في مقدمة أولويات أي منظومة إعلامية محترمة.

وتشير تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الطفل إلى أن المضمون الذي يخص الأطفال يتضاعف انتشاره على المنصات الرقمية أضعافا، ويبقى في الفضاء الرقمي سنوات، وربما للأبد، بخلاف ما كان يحدث في الإعلام التقليدي حيث كان الخبر يُنسى بعد أيام.

هذا الفارق الزمني الجديد يجعل الضرر الذي يقع على الطفل دائما ضررا ممتدا، وهو ما يفرض قواعد أكثر صرامة عند التعامل مع أي مادة تخصه.

قيم الأسرة والمجتمع: بين النقد والتحريض

والأمر نفسه ينطبق على قيم الأسرة والمجتمع.

ليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى واعظ، ولا أن تكون كل مادة إعلامية خاضعة لرؤية واحدة، لكن هناك فارقا بين الاختلاف في الرأي وبين تقديم محتوى يتعمد الإساءة أو التحريض أو انتهاك الخصوصية أو تجاوز القواعد المهنية التي تحمي المجتمع وأفراده.

والفارق هنا ليس تفصيلا شكليا، بل هو جوهر الفرق بين مجتمع يناقش نفسه بجدية، ومجتمع يُدفع إلى الاستقطاب تحت ذريعة حرية التعبير.

التحدي الأكبر: المشهد الرقمي لم يعد خارج الحساب

التحدي اليوم أن التنظيم لم يعد قادرا على الاكتفاء بالتلفزيون والإذاعة والصحافة الورقية.

المشهد توسع ليشمل المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى.

ولذلك فإن الحديث عن إعلام منضبط يجب أن يشمل المشهد كله.

لا يمكن أن نطلب من صحيفة الالتزام بمعايير مهنية صارمة، ثم نترك منصة رقمية ضخمة تنشر الشائعات وانتهاكات الخصوصية دون أي مسؤولية.

ولا يمكن أن نطالب المذيع بالتأكد من معلوماته، بينما يصبح أي شخص قادرا على نشر اتهام بحق إنسان ثم يختبئ خلف عبارة «رأيي الشخصي».

وهنا تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات التنظيم نفسها، بحيث تكون قادرة على التعامل مع المحتوى الرقمي، ومع خصائص المنصات العابرة للحدود، ومع سرعة الانتشار التي تتجاوز قدرة أي جهة على اللحاق بها.

وهذا يستدعي أدوات رقابية حديثة، وتعاونا مع المنصات، ووضوحا في الإجراءات، لا مجرد قوانين على الورق.

من يدفع ثمن الفوضى الإعلامية؟

الفوضى الإعلامية لا يدفع ثمنها شخص واحد.

أحيانا يدفع الثمن مواطن عادي يجد حياته الخاصة منشورة أمام الناس، أو طفل تتحول صورته إلى مادة للتداول، أو أسرة تجد نفسها فجأة في قلب قضية لم تختر أن تكون طرفا فيها.

وأحيانا يدفع الثمن الإعلامي نفسه.

فالمذيع أو الصحفي أو صانع المحتوى الذي يعتقد أن ارتفاع المشاهدات يبرر كل شيء قد يكتشف متأخرا أن الشهرة لا تمنح حصانة من المسؤولية.

بل إن التوسع في المحتوى الاستفزازي يهدم تدريجيا الثقة في المهنة كلها، فتصبح الجمهور عاجزا عن التمييز بين من يتحقق ومن يفتري، وتصبح المعلومة الصحيحة نفسها موضع شك لأنها صدرت من وسيط فقد مصداقيته.

الشخصيات العامة أيضا بحاجة إلى حماية

بل إن الشخصيات العامة والمشاهير هم أيضا بحاجة إلى منظومة تنظيم واضحة.

صحيح أن الشخصية العامة تتحمل قدرا أكبر من النقد والمراقبة بحكم موقعها، لكن ذلك لا يعني أن حياتها الخاصة تصبح مباحة بلا حدود، ولا أن كل صورة أو معلومة أو اتهام يمكن نشره دون تدقيق.

والقاعدة المتعارف عليها في الأخلاقيات الصحفية أن المصلحة العامة هي التي تبرر نشر ما يتعلق بالشخصية العامة، لا مجرد إثارة الفضول أو زيادة المشاهدات.

نحو تقارب عربي في المعايير المهنية

ولهذا فإنني أتمنى أن تمتد هذه التجربة التنظيمية، مع تطويرها وضمان وضوح معاييرها وإجراءاتها، إلى مختلف الدول العربية، وأن يكون لدينا قدر أكبر من التنسيق والتقارب في المعايير المهنية التي تحكم المشهد الإعلامي العربي.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الفوضى.

ولا نحتاج أيضا إلى إعلام يخاف من ممارسة دوره.

ما نحتاجه هو إعلام حر ومسؤول، قوي في كشف الحقيقة، دقيق في نقل المعلومة، محترم لخصوصية الإنسان، شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، ومدرك لحجم التأثير الذي أصبحت تملكه الكلمة والصورة في عصر المنصات الرقمية.

إن تجربة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تفتح أمامنا بابا مهما للنقاش العربي حول مستقبل المهنة.

والهدف في النهاية ليس أن نمنع الإعلام من الكلام، وإنما أن نضمن أن الكلام الذي يصل إلى الناس يستحق أن يصل إليهم، وأن تكون الحرية مصحوبة بالمسؤولية، وأن يعرف الجميع أن شهرة الشاشة أو عدد المتابعين لا يمنح صاحبه حق الاعتداء على الآخرين.

خاتمة: الإعلام المنضبط ليس إعلاما مقيدا

الإعلام المنضبط ليس إعلاما مقيدا.

الإعلام المنضبط هو إعلام يعرف قيمة الكلمة، ويحترم الإنسان، ويدرك أن وراء كل خبر شخصا، ووراء كل صورة أسرة، ووراء كل طفل مستقبل كامل.

وهذه مسؤولية عربية مشتركة، لا تخص دولة بعينها.

ولهذا أقول: شكرا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

شكرا لأنكم لم تتركوا المواطن وحيدا أمام فوضى الشاشات والسوشيال ميديا.

د.

يوسف العميري.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *