في تصريحات وصفت بالحاسمة، شدد الدكتور محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري السابق، على أن جسد الإنسان أمانة ووديعة في يد صاحبه، وليس ملكًا حرًا يُباع ويُشترى، مؤكدًا رفضه القاطع لأي محاولة لتحويل الأعضاء البشرية إلى سلع تُتداول في أسواق موازية أو سوداء.
حرمة الجسد البشري ورفض المتاجرة بالأعضاء
أوضح وزير الأوقاف السابق أن الإنسان مؤتمن على جسده وليس مالكًا مطلقًا له بمعنى التجاري، وشدد على أن بيع أي جزء أو عضو من أعضاء الجسد أمر مرفوض شرعًا وقانونًا وأخلاقيًا وإنسانيًا.وحذر من خطورة تحويل آلام المرضى واحتياجاتهم إلى تجارة رائجة تحقق أرباحًا مادية غير مشروعة، مستغلة حاجة الفقراء والضعفاء ممن يضطرون للتنازل عن أعضائهم تحت وطأة الظروف الاقتصادية.ويستند هذا الموقف إلى القاعدة الشرعية المستقرة التي تقوم على أن الإنسان مكرّم بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، فالتكريم يقتضي صيانة الجسد من كل أشكال البيع والاستغلال والامتهان، كما أن حفظ النفس والبدن من مقاصد الشريعة الكبرى التي لا يجوز المساس بها.
الفرق بين التبرع الشريف والمتاجرة المحرمة
وأشار الدكتور محمد مختار جمعة إلى أن التبرع بالأعضاء له ضوابط شرعية صارمة واضحة المعالم، تميز بوضوح بين العمل الإنساني النبيل الذي يبتغي به المتبرع وجه الله وإنقاذ حياة مريض محتاج، وبين الاستغلال التجاري البحت الذي يجرد الإنسان من كرامته ويحول أجساد الضعفاء إلى سلعة رخيصة تُسعَّر بالمال.ومن أبرز هذه الضوابط أن يكون التبرع طوعيًا خالصًا دون إكراه أو إلحاح أو ضغط مادي، وأن يكون بغير مقابل مالي أو عيني، وأن يتحقق فيه غلبة الظن بإنقاذ حياة المتلقي أو تحسين جودة حياته بشكل جوهري، وألا يترتب على التبرع ضرر كبير على صحة المتبرع أو حياته، وأن يتم ذلك تحت إشراف طبي وقانوني كامل وبموافقة صريحة وموثقة.خطر السوق السوداء وتشخيص الأسباب
وفي السياق ذاته، حذر وزير الأوقاف السابق من أن انتشار ظاهرة الاتجار بالأعضاء يفتح الباب أمام شبكات منظمة تستغل الفقراء، وترتبط في كثير من الأحيان بجرائم أوسع تشمل تهريب البشر والنصب والاحتيال والاستغلال الطبي غير المشروع، وهو ما يستوجب مواجهة شاملة تجمع بين التوعية الدينية والردع القانوني وتشديد الرقابة على المؤسسات الصحية.كما أكد أن المنظومة الصحية والأخلاقية تقف بالمرصاد لكل محاولات التلاعب بهذه الثوابت، وأن الوعي المجتمعي بكرامة الجسد وحرمته هو خط الدفاع الأول ضد أي محاولة لتحويل الإنسان إلى مادة تجارية خاضعة لقوانين العرض والطلب.معالجة جذرية لا تقتصر على التحريم
ويرى المتابعون أن معالجة الظاهرة لا تكفي فيها الفتوى المجردة، بل يجب أن تتكامل معها جهود الدولة في توسيع قاعدة التبرع الشرعي والمنظم عبر المؤسسات الرسمية، وتسهيل إجراءاته للمرضى المحتاجين، وتقليل قوائم الانتظار، وتوفير الرعاية الصحية للفقراء حتى لا يجدوا أنفسهم مضطرين إلى خيارات مرفوضة دينيًا وقانونيًا.فسدّ الباب أمام المتاجرة يتطلب معالجة الدوافع الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع إليها، لا الاكتفاء بالتحذير منها.وتؤكد هذه التصريحات أن مبدأ «جسد الإنسان أمانة» ليس شعارًا دينيًا فقط، بل أصلاً أخلاقيًا وقانونيًا وإنسانيًا يحمي كرامة البشر جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، ويرفض تحويل آلام المرضى إلى تجارة تُدرّ أرباحًا على حساب صحة الإنسان وكرامته.

التعليقات