التخطي إلى المحتوى

يشهد قطاع التعدين في مصر تحولاً جذرياً غير مسبوق، في إطار استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية والجيولوجية، وتحويلها إلى قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية وزيادة الدخل القومي، وتحقيق التنوع المطلوب في مصادر العملة الصعبة بعيداً عن الاعتماد على مصادر تقليدية مثل قناة السويس والتحويلات والسياحة.

استراتيجية جديدة لتعظيم عوائد الثروة المعدنية

كشف الدكتور علاء شليبي، رئيس الإدارة المركزية للمساحة الجيولوجية بهيئة الثروة المعدنية، عن تفاصيل المخطط الحكومي الجديد الذي يركز على زيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن الدولة تولي اهتماماً بالغاً بهذا القطاع الحيوي عبر ضخ استثمارات نوعية وتطوير آليات البحث والاستكشاف.

وتستهدف الاستراتيجية رفع نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات تناهز 5% خلال السنوات المقبلة، مقابل نسب متواضعة تقل حالياً عن 1%، وهي نسبة لا تعكس حجم الثروات المعدنية الهائلة التي تزخر بها الأراضي المصرية.

طفرة في عمليات البحث والاستكشاف الجيولوجي

أوضح رئيس الإدارة المركزية أن الجهود المبذولة تستهدف جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، من خلال تسهيل الإجراءات وتقديم حزم تحفيزية للمستثمرين، فضلاً عن الاعتماد على أحدث التقنيات العالمية في المسح الجيولوجي ورسم الخرائط التعدينية بدقة عالية.

ويأتي في مقدمة هذه الأدوات استخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والمسح الجيوفيزيائي والجيوكيميائي المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى المبادرة الوطنية لتحديث خرائط مصر الجيولوجية باستخدام طائرات مسيّرة وأقمار صناعية، وهي خطوات تختصر سنوات من العمل الميداني وتكشف عن مواقع التمعدن المحتملة بفاعلية أكبر.

ثروات معدنية واعدة على أرض مصر

تمتلك مصر ثروة معدنية متنوعة تشمل الذهب في مناجم الصحراء الشرقية مثل السكري ومنطقة حمش، والفوسفات في وادي النيل والبحر الأحمر، ورمل السيليكا عالي النقاء في سيناء، إضافة إلى الرخام والجرانيت في أسوان، والكوارتز والفلسبار والتلك والمنجنيز وخامات الحديد.

وتشير دراسات رسمية إلى أن منطقة الدرع العربي النوبي بالصحراء الشرقية تعد من أغنى البيئات الجيولوجية بالذهب في العالم، بما يعزز فرص اكتشافات جديدة ويجعل القطاع محوراً محتملاً لجذب رؤوس أموال دولية كبرى.

من تصدير الخامات إلى التصنيع المحلي

تسعى الدولة من خلال هذه الخطط الاستباقية إلى التحول من تصدير الخامات المعدنية في صورتها الأولية إلى التصنيع المحلي لتعظيم القيمة المضافة، مما يساهم في توفير المزيد من فرص العمل للشباب ودعم عجلة الإنتاج والصناعة الوطنية بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.

ويعد قانون التعدين الجديد أحد روافد هذا التحول، إذ يمنح حوافز واضحة للمستثمرين ويقلص مدة إصدار التراخيص، مع إمكانية فصل رخصة الاستكشاف عن رخصة الاستغلال لتشجيع الشركات الصغيرة والمتوسطة على الدخول إلى السوق.

محاور حكومية لدعم القطاع

تشمل خطة الدولة عدة محاور متكاملة: إعادة هيكلة هيئة الثروة المعدنية لتعمل وفق أسس اقتصادية مرنة، وإنشاء قاعدة بيانات رقمية موحدة للثروات المعدنية، وتوسيع برامج التدريب المتخصص لبناء كوادر مصرية في علوم الجيولوجيا والهندسة التعدينية، وتوقيع اتفاقيات شراكة مع مراكز بحثية وجامعات عالمية لنقل المعرفة.

كما تتجه الأنظار إلى مشروع المثلث الذهبي بين قنا والقصير وسفاجا، الذي يُنتظر أن يصبح قطباً صناعياً وتعدينياً متكاملاً يعتمد على خامات المنطقة ويوفر آلاف الوظائف.

التعدين.

مستقبل الاقتصاد المصري الواعد

.

يجمع خبراء الاقتصاد على أن قطاع التعدين يمكن أن يلعب دوراً مماثلاً للدور الذي لعبته الثروة البترولية في عقود سابقة، لا سيما مع ارتفاع الطلب العالمي على المعادن الحيوية اللازمة لصناعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة.

وفي هذا الإطار يمثل الاستثمار التعديني ركيزة لتوفير فرص عمل نوعية، وجذب العملة الأجنبية، ونقل التكنولوجيا، وتنمية مناطق صحراوية واعدة كانت خارج خريطة النشاط الاقتصادي.

ويبقى التحدي الأكبر في قدرة القطاع على المواءمة بين تعظيم العائد الاقتصادي وتطبيق معايير الاستدامة البيئية والمجتمعية، بما يضمن استمرار الثروة لأجيال قادمة، التزاماً بأهداف التنمية المستدامة وتوجيهات مصر نحو اقتصاد تعديني حديث ومسؤول.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *