مقدمة: سؤال المسؤولية في الدماغ
هل كانت النتيجة التي وصلت إليها لأنك اتخذت القرار الصحيح، أم لأن الظروف سارت في صالحك؟ وهل كان الفشل بسبب خطأ منك، أم بسبب عامل خارجي لا تملك التحكم فيه؟ هذا السؤال ليس مجرد تأمل فلسفي، بل عملية معرفية معقدة ينفذها الدماغ باستمرار، لأن الإجابة عنه تحدد كيف نتعلم من نجاحاتنا وإخفاقاتنا.وقد كشفت دراسة أجرتها جامعة أكسفورد ونُشرت في مجلة Neuron عن آليات دماغية محددة تساعدنا على معرفة ما إذا كانت نتائج قراراتنا ناتجة عن أفعالنا أم عن ظروف خارجة عن سيطرتنا.
الثقة كأداة لتفسير النتائج
وجد الباحثون أن الثقة في القرار وتقديرنا للظروف الخارجية يعملان كدلائل مهمة لفهم كيفية تفسير نتائج أفعالنا.فعندما يكون الناس واثقين من قرار اتخذوه، لكن النتيجة التي تلقوها كانت سلبية وغير متوقعة، كانوا أكثر ميلًا إلى عزو تلك النتيجة إلى الظروف الخارجية أو الصدفة.
أما عندما كانوا غير متأكدين من صحة قرارهم، كانوا أكثر ميلًا إلى اعتبار أدائهم الشخصي سببًا في النتيجة السلبية.والأمر اللافت أن المشاركين وصلوا إلى هذه الاستنتاجات جزئيًا لأنهم كانوا يراقبون مدى ثقتهم بأدائهم ويقيّمونه باستمرار، حتى قبل أن يتلقّوا أي تغذية راجعة عن نتائج أدائهم.
أي أن الدماغ يبني توقعًا مسبقًا، ثم يقارنه بالنتيجة الفعلية ليصدر حكمه على السبب.
كما استخدم المشاركون هذه التجارب لتحديث تقديراتهم باستمرار حول مدى قدرتهم عمومًا على التحكم في الظروف الخارجية، وتكوين فكرة عن مدى تأثير قراراتهم في النتائج مقارنةً بتأثير العوامل الخارجية.
دائرتان عصبيتان في الدماغ
باستخدام تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي عالي الدقة، مع قوة مجال مغناطيسي فائق، إلى جانب التحفيز الموجه غير الباضع، تعرّف الباحثون على دائرتين عصبيتين تربطان بين مناطق الفص ما قبل الجبهي والمناطق تحت القشرية، وتنخرطان في هذه العملية.ترتبط إحدى هاتين الدائرتين بمنطقة تُسمّى القشرة ما قبل الجبهية الأمامية الظهرية الإنسية (Medial Dorsal Prefrontal Cortex)، والتي يبدو أنها تؤدي دورًا محوريًا في تقييم ما إذا كانت النتائج مرتبطة بأداء الشخص أم بعوامل عشوائية خارجة عن سيطرته.وقد أكدت تجربة إضافية هذا الدور، إذ أدى تعطيل نشاط هذه المنطقة مؤقتًا باستخدام التحفيز المغناطيسي غير الباضع إلى إبطاء قدرة المشاركين على معرفة ما إذا كانت التغذية الراجعة التي تلقوها تعكس أداءهم الحقيقي أم كانت ناتجة عن صدفة.
لماذا يهم هذا التمييز؟
يوضح الباحث الرئيس الدكتور يانهي ليو من قسم علم النفس التجريبي بجامعة أكسفورد:«معرفة ما إذا كانت النتيجة قد حدثت بسبب أفعالنا أم بفعل شيء خارج عن سيطرتنا تعد أمرًا أساسيًا للتعلّم.هذا المثال البسيط يلخص جوهر المشكلة: فالتعلم الفعّال يعتمد على دقة إسناد السبب.فعلى سبيل المثال، إذا أخطأ رامٍ إصابة الهدف، فعليه أن يحدد ما إذا كان ينبغي له تصحيح أسلوبه في الرماية أم التعويض عن عامل خارجي مثل الريح.
وقد يؤدي عزو النتيجة إلى سبب خاطئ إلى تعلّم درسٍ خاطئ.»
فإذا نسب اللاعب فشله إلى الريح بينما كان الخطأ في أسلوبه، فلن يتطور.
وإذا نسب نجاحه إلى مهارته بينما كان الحظ عاملًا حاسمًا، فقد يبني ثقة زائفة تقوده إلى قرارات خاطئة لاحقًا.
الآثار العملية: من الرياضة إلى التعليم والعلاج النفسي
تنعكس نتائج هذه الدراسة على مجالات متعددة:- الرياضة والأداء المهني: يحتاج اللاعبون والمدربون إلى فصل أدائهم الفعلي عن العوامل البيئية لتحسين التدريب.
- التعليم: يساعد فهم هذه الآلية الطلاب على تفسير نتائج اختباراتهم بشكل أدق، فلا يبالغون في لوم أنفسهم ولا يتجاهلون أخطاءهم الحقيقية.
- الصحة النفسية: يميل المصابون بالاكتئاب إلى عزو الفشل لأسباب داخلية دائمة، بينما يميلون إلى إنكار دورهم في النجاح.
وفهم الدوائر العصبية المسؤولة عن هذا الإسناد قد يفتح مسارات علاجية جديدة.
- اتخاذ القرار في المؤسسات: القادة الذين يسيئون إسناد أسباب النتائج قد يكرّرون أخطاءهم أو يفقدون دروسًا قيمة.
خلاصة
تقدّم هذه النتائج أفكارًا جديدة حول تكوّن شعورنا بقدرتنا على التحكم في نتائج أفعالنا، وكيف يؤثر هذا الشعور لاحقًا في الطريقة التي نتعلم بها من نجاحاتنا وإخفاقاتنا.فالثقة ليست مجرد حالة نفسية عابرة، بل إشارة حسابية يستخدمها الدماغ لمعايرة إسناد السبب، وتعمل مناطق محددة في القشرة ما قبل الجبهية الأمامية الظهرية الإنسية كمركز لموازنة ما يمكننا التحكم فيه وما لا يمكننا التحكم فيه.

التعليقات