على مدى أكثر من ربع قرن، رسمت التجربة السياسية المغربية في عهد الملك محمد السادس مساراً مؤسساتياً متدرجاً لتعيين رؤساء الحكومات، تطور من ممارسة تقديرية إلى قاعدة دستورية واضحة ترتبط ارتباطاً مباشراً بنتائج الانتخابات، لا سيما بعد إقرار دستور 2011 الذي كرّس هذا التوجه بشكل قاطع.
تنوع المدن وتعدد المواعيد: لا قاعدة جغرافية ثابتة
توزعت المدن التي شهدت تعيين رؤساء الحكومات بين مراكش والرباط وميدلت والدارس البيضاء وفاس، ما يؤكد أن مكان التعيين يخضع للأجندة الملكية وبرنامج الملك، وليس لقاعدة جغرافية محددة أو موعد ثابت يمكن التنبؤ به مسبقاً.
ويبقى العنصر الحاسم في هذه العملية هو الإطار الدستوري والمؤسساتي، لا تفاصيل المكان أو الزمان.
من 2002 إلى 2007: بواكير الممارسة
عقب انتخابات 2002، عُيّن إدريس جطو وزيراً أول في 9 أكتوبر، في محطة شكلت بداية تشكل الممارسة الحكومية.
وجاء عام 2007 ليشهد تعيين عباس الفاسي وزيراً أول في أعقاب انتخابات 7 سبتمبر، حيث كُلف بإجراء مشاورات موسعة مع الأحزاب السياسية لتشكيل الحكومة، ما يعكس بداية ترسيخ منطق المشاورات الحزبية في بناء الأغلبية.
دستور 2011: نقطة التحول الدستورية
مثّل دستور 2011 منعطفاً حاسماً في عملية تشكيل الحكومة، إذ نص الفصل 47 على أن يعيّن الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، كما يعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.
وقد حوّل هذا المقتضى الدستوري التعيين من عملية تقديرية إلى قاعدة واضحة قائمة على النتائج الانتخابية.
بنكيران والعثماني وأخنوش: ترسيخ القاعدة في الممارسة
تجسدت هذه القاعدة عملياً خلال السنوات التالية؛ فعُيّن عبد الإله بنكيران رئيساً للحكومة في 29 نوفمبر 2011، بعد أربعة أيام فقط من الانتخابات، ثم أُعيد تكليفه في أكتوبر 2016 عقب الانتخابات التشريعية.
وفي مارس 2017، وبعد تعثر المشاورات لتشكيل الأغلبية، عُيّن سعد الدين العثماني رئيساً للحكومة وكُلف بتشكيلها، في محطة عكست دور المؤسسات الدستورية في التعامل مع حالات تعثر المسار الحكومي.
أما في 2021، فقد اتسمت العملية بسرعة أكبر؛ إذ جرت الانتخابات في 8 سبتمبر، واستقبل الملك محمد السادس عزيز أخنوش في القصر الملكي بفاس يوم 10 سبتمبر، وعيّنه رئيساً للحكومة وكلفه بتشكيلها.
مسار دستوري واضح بعد التكليف الملكي
توضح هذه المحطات أن المدة الزمنية الفاصلة بين الانتخابات والتعيين تختلف من استحقاق انتخابي إلى آخر، دون وجود أجل دستوري محدد يفرض موعداً معيناً، بينما تظل القاعدة الأساسية هي ارتباط التعيين بنتائج انتخابات مجلس النواب وفق أحكام الدستور.
وبعد التكليف الملكي، يتولى رئيس الحكومة المعيّن مسؤولية إجراء المشاورات السياسية وتشكيل الأغلبية الحكومية، قبل اقتراح أعضاء الحكومة على الملك، وفق المسار الدستوري المعمول به.
نموذج مغربي في وضوح الأدوار واستمرارية العمل المؤسساتي
تبرز التجربة المغربية بذلك نموذجاً لممارسة سياسية تتفاعل فيها نتائج الانتخابات مع الاختصاصات الدستورية للمؤسسة الملكية ومسؤولية رئيس الحكومة في تشكيل أغلبيته، بما يعزز وضوح الأدوار واستمرارية العمل المؤسساتي.
ويؤكد استعراض المسار منذ عام 1999 أن تفاصيل المكان والموعد ليست العنصر الحاسم في عملية التعيين، وإنما القواعد الدستورية والمسار المؤسساتي الذي ينتهي بإعلان رسمي من المؤسسة الملكية، ليبدأ بعدها رئيس الحكومة المعيّن مهمة تشكيل الحكومة والحصول على ثقة مجلس النواب.

التعليقات