مقدمة: تحولات جذرية في المشهد السياسي بالشرق الأوسط
تشهد منطقة الشرق الأوسط سلسلة من التطورات السياسية المتسارعة التي تعيد رسم ملامح التحالفات والمواقف الدولية، وسط تحولات عميقة في الرأي العام العالمي.
وفي هذا السياق، قدّم المفكر السياسي البارز الدكتور عبد المنعم سعيد قراءة تحليلية معمّقة ترصد أبرز ملامح المرحلة الراهنة، مستعرضاً تراجع الدعم الغربي لإسرائيل من جهة، وتفاعلات المشهد الداخلي الفلسطيني في ضوء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة من جهة أخرى.
أولاً: انهيار غير مسبوق في الدعم الغربي لتل أبيب
يؤكد الدكتور عبد المنعم سعيد أن الأزمة الراهنة تتجاوز بكثير حدود سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتلامس جوهر الموقف الإسرائيلي المترسّخ لدى قطاعات واسعة من شعوب ودول العالم الغربي.
فالمسألة لم تعد مرتبطة بشخص أو حكومة بعينها، بل باتت تتصل بطبيعة النموذج الإسرائيلي ذاته في نظر الرأي العام الدولي.
وتشير المؤشرات الراهنة إلى تراجع دراماتيكي وتآكل متسارع في الدعم الدولي لإسرائيل، وهو ما يعكس تغيّراً نوعياً في الوعي الأوروبي والأمريكي تجاه طبيعة الصراع المستمر.
ومن أبرز تجليات هذا التحول:.
- تصاعد الأصوات النقدية داخل الجامعات الأوروبية والأمريكية والبرلمانات الغربية تجاه السياسات الإسرائيلية المتواصلة.
- تراجع الدعم الشعبي في أوساط الأجيال الشابة بالدول الغربية، التي تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنظور مختلف عن الأجيال السابقة.
- تنامي توجهات الاعتراف بالدولة الفلسطينية لدى عدد من الدول الأوروبية، وهو ما كان يُعدّ شبه مستحيل قبل سنوات.
- تحوّل الرأي العام في الإعلام الغربي من تغطية متعاطفة مع الموقف الإسرائيلي إلى تغطية أكثر توازناً وانفتاحاً على الرواية الفلسطينية.
- عدم قدرة إسرائيل على حشد توافق دولي داعم لعملياتها العسكرية الموسعة كما حدث في عقود سابقة.
ويُنبّه الخبير السياسي إلى أن هذا التراجع ينذر بعزلة دبلوماسية غير مسبوقة لتل أبيب في المحافل الدولية، مع تداعيات محتملة على العلاقات الاستراتيجية مع حلفائها التاريخيين، وعلى قدرتها في التصويت داخل المؤسسات الأممية.
ثانياً: الانقسام الفلسطيني يلقي بظلاله على المشهد الانتخابي
وفيما يخص البيت الفلسطيني الداخلي، تطرّق الدكتور عبد المنعم سعيد إلى ملف الانتخابات الفلسطينية المرتقبة، مشدداً على أنها تمثل مرآة واضحة تعكس حالة التشظي والانقسام السياسي والجغرافي والمؤسسي الراهن.
وأشار إلى أن التحديات الكبرى التي تواجه الشارع الفلسطيني تتطلب رصّ الصفوف وتجاوز الخلافات العميقة لتوحيد الرؤى والخطاب السياسي، بما يضمن الخروج بموقف موحّد قادر على مواجهة التعنت الإسرائيلي على كافة المسارات.
ويبرز في هذا الإطار عدد من التحديات البنيوية التي تعيق مسار التوافق الفلسطيني:
- الانقسام الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وما يترتب عليه من تباين في الأولويات والظروف الحياتية.
- الانقسام المؤسسي بين السلطة الوطنية والقطاعات المدنية والتنظيمية المختلفة، وانعكاسه على شرعية التمثيل.
- عامل الثقة المتآكل بين مكوّنات العمل الوطني، والحاجة إلى آليات حوارية حقيقية للاتفاق على قواعد الاشتراك الانتخابي.
- ضغط العامل الخارجي وتأثيره على حرية اختيار الفلسطينيين لمسارهم السياسي والانتخابي.
- التراكمات التاريخية لمسارات المصالحة المتعثرة منذ سنوات، وأثرها في تقويض ثقة الجمهور بالقدرة على التغيير.
كما يشير إلى أن أي انتخابات لا تُبنى على تفاهمات مانعة لتصدّع الصف الوطني، ربما تؤدي إلى تعميق الشرخ بدلاً من معالجته، مما يستدعي توافقاً مسبقاً على قواعد المنافسة وقواعد التعامل مع نتائجها.
ثالثاً: آفاق المرحلة ومتطلبات المواجهة
يتقاطع تراجع الدعم الغربي لإسرائيل مع أزمة التمثيل الفلسطيني الداخلي لتشكّل مرحلة بالغة الحساسية.
فمن جهة، باتت العزلة الدولية تدخل تاريخياً في أفق الضغط على تل أبيب، ومن جهة أخرى يمثّل استكمال المشروع الوطني والتمثيلي الفلسطيني شرطاً أساسياً لتحويل هذه التحولات إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع.
ويخلص التحليل إلى أن المرحلة المقبلة تحكمها معادلة تفاعلية: كلما ازدادت عزلة إسرائيل دولياً وشعبياً، زادت المسؤولية على الفلسطينيين لترتيب بيتهم الداخلي وتقديم رؤية موحّدة قابلة للتبنّي.
والعكس صحيح أيضاً، إذ إن مزيداً من الوحدة الفلسطينية يدفع باتجاه إضعاف الموقف الإسرائيلي ويزيد من قدرة الطرف الفلسطيني على استثمار المتغيرات الدولية لصالحه.
وفي هذا السياق، تبقى الطريق أمام الضغط الفاعل على تل أبيب مرهونة بمدى تحقيق شكل من أشكال المشروع الوطني الجامع، القادر على تحويل العزلة الدولية لإسرائيل إلى معادلة سياسية جديدة على الأرض.

التعليقات