في معرضه الجديد «حكايات من باريس» بقاعة بيكاسو بالقاهرة، يقدّم الفنان عبدالرازق عكاشة تجربة بصرية تفيض بالحياة، حيث يبدو اللون مبهجًا ودافئًا، يكاد يقهقه رغم قسوة ما يصوّره من عشرات الهجرات القسرية للغزاويين داخل أرضهم، شمالًا وجنوبًا، خلال العامين الماضيين، تحت وطأة القهر والقتل والتجويع والتنكيل والإبادة.ورغم ثقل الموضوع، لا تبدو الألوان كئيبة أو حزينة، بل تتسلل من ريشة عكاشة بعد عشرات المعارض المماثلة التي أقامها في أوروبا وآسيا والمغرب العربي.
وحكايات باريس التي تنطق بها ألوانه ليست دائمًا وراءها الرفاهية والبهجة، بل ترصد أحيانًا تجمعات بائعات الهوى في خمس لوحات، وهن يعرضن أجسادهن لتحصيل لقمة الخبز، في بلاد الغرب التي تدّعي احترام المرأة بينما هي أكبر المتاجرين بجسدها ومآسيها.
الغربان وأبراج الكنائس
ترصد حكايا عكاشة ليل باريس الذي يطوي تحت جناحيه نوعًا من كفاح الفن وصمود الفنانين.فبعد أن تعود بعض الفرق المسرحية من عملها على المسرح، تتخذ أحد المقاهي موقعًا لها لتتدارس النصوص وتتناقش في قضايا المسرح، فيضج الشارع بأحاديثهم.
ثم يقود فضوله الإبداعي إلى تأمل هذا الشارع، لا من الأسفل فحسب، بل من الذروة أيضًا: يقف أعلى المبنى ويتأمل، في ليل الشتاء البارد، كاتدرائية انفضّ عنها الناس، ولا تؤنس وحدتها غير الغربان الرابضة على قمتها.هل تأخذنا ريشة الفنان إلى الواقع المادي للبشر وانصرافهم عن الروح والمعنى والدين، لتترك هذه الرموز مأوى للغربان وحدها؟ لا يبدو أن هذا المعنى بعيد عن روح اللوحة.
ولا يقتصر الانصراف عن الروحانيات على الكنائس، بل يمتد إلى سائر دور العبادة.
ولذلك لا نرى على أبراج الكنيسة، كالعادة، جرسًا ولا صليبًا، ولا أثر لأي منهما في أي موقع، رغم وضوح ملمح دار العبادة.
وهذا يعني أن الانصراف عن الدين أضحى ظاهرة عامة، لا في الغرب فحسب، بل لدينا نحن كذلك.
خيط قديم: الاتجار بالدين
لم يتوقف الأمر عند الانصراف عن الروحانيات والقيم الأخلاقية والدينية، بل وصل إلى ما هو أسوأ: الاتجار بها وتوظيفها لجمع المال ونيل السلطة.وهذا الخيط من الرؤية لدى المبدع، المتجاوز لحدود الإقليمية والفئوية والطائفية، ممتد لديه منذ بداياته الإبداعية، لا كفنان تشكيلي فحسب، بل كذلك كقاصّ وروائي.وقد عالج هذه الظاهرة في روايته «الشرابية»، حيث نجد شخصية «سمسم» الشاذ وصاحبه المنحرف مثله «محسن»، وهما يركبان كل الأمواج، ويتحولان من حياتهما المنحلة إلى «دعاة» يطلقان اللحية ويرتديان الجلباب القصير «عدة الشغل» ويرتادان المساجد، حتى يلتف الشباب حولهما، فيتحوّلان إلى رموز دينية تحظى بالثقة والطاعة من آلاف الجهلاء، شبابًا وشيبًا.
ويجنيان من وراء هذا التحول الملايين، وينتقلان من حي الشرابية الفقير إلى الفيلات والقصور، ويستمران في ركوب موجة الدين، ويدعمان المرشح الإخواني ويصبحان من أكبر مناصريه.
من الحي إلى الوطن
وتتسع رؤية «الشرابية» من حي منسي بائس، بكل شخوصه المنسحقة والهاربة والمكافحة والصامدة، إلى وطن كامل.فيربط عكاشة بين الحي والوطن نفسه، ويطوّر الأحداث والشخوص في روايته لتنطلق من داخل أسوار الحي إلى ميدان التحرير وكل الميادين، مشاركين في الثورة بشتى تياراتها، كما كان لظاهرة الغربة والهجرة خارج مصر نصيبها من هذه الأحداث.
نادية وعبود
وتبدو البطلة «نادية» كما لو كانت هي مصر نفسها: بكل تطلعاتها للمستقبل، وكل إحباطاتها، وكل جمالها، وكل الطامعين فيها والمنتهكين لها.حتى لا تجد صدرًا حنونًا إلا لدى «عبود»، المواطن البسيط البريء، الذي أحبها حتى آخر سطر في الرواية: «مادام تحب بتنكر ليه؟!»، رغم أنه لم ينل منها إلا القليل: قبلة واحدة.
تراسل الأجناس الإبداعية
عكاشة يرسم ككاتب، ويكتب كرسام.فمعرضه «حكايات من باريس» أشبه ما يكون بحكايات القاهرة وليلها، وخاصة القاهرة الخديوية التي تتشابه حتى في معمارها مع باريس.
والشارع الذي يعبر عنه عكاشة في باريس نسخة من شارع عماد الدين.وفي تراسل الأجناس الإبداعية هذا، كتراسل الحضارات والثقافات بلا حدود، يطلق على معرضه مسمى «حكايات»، وهو مصطلح روائي قصصي درامي لا تشكيلي.
ويتسلل التشكيل داخل روايته من ناحية أخرى، فنراه يرسم «لوحات لغوية» بقلمه، كهذه اللوحة: «الذكريات حبات قمح منثورة في خم الزمن.
إن الأيام شبيهات بهاته الدجاجات، وإننا ديوك نجتهد دائمًا، لتكنز بأجنحتها دفئًا قديمًا»، وهذه اللوحة اللغوية: «الكذب الذي يسيل مع الزيت على أرغفتهم من ورق الصحف! كذب يلف كذبًا ويروح إلى كذب»، وكذلك: «تابع عقارب ساعته، وهي تلسع نهارنا».نرى هنا ألوانًا وحركة وصخبًا وأبعادًا لهذه اللوحات التي صاغها بوعي لا بالمصادفة.
فهو يقول: «إن للأصوات ألوانًا»، وينشغل بما وراء التعبير: لونًا وتشكيلًا وحرفًا ولغة، أكثر من التعبير نفسه.
وكل هذا موظف لديه لأجل الوطن والمواطن، رغم أن القيم اللغوية والجمالية هدف عظيم لا يقل عن حب الوطن نفسه.
لكن الموقف والانتماء يطغى لدى المبدع هنا، ويدفعه إلى ما يشبه الخطابة حين يقول: «عليّ أن أعترف لنفسي أن ثمة كنزًا أثمن وأغلى من الأموال؛ كنزًا برحابة الوطن و… ونعيم الألوان، ألا وهو الناس».
وهو شيء من تدخل الراوي في سياق الأحداث لم يكن ضروريًا، فكل سياقات الأحداث من القرية إلى حي الشرابية إلى ميدان التحرير وسائر ميادين الوطن والثورة تؤكد هذا المعنى دون أن تجهر به.ولا تغيب الصورة الشعرية المبتدعة عن السرد في «الشرابية»، الرواية/السيرة، كأن يقول: «ينالون حصتهم من رغيف الأمل»، و«أتابع نور الصباح الكاشف؛ يكنس ظلمات زوايا القطار»، و«زقزقت عصافير الفرح في أحراش قلوبهم».إنها مباراة ماراثونية بين عكاشة الكاتب وعكاشة الرسام، فمن ينتصر في النهاية؟.

التعليقات