مقدمة: زيارة في توقيت بالغ الحساسية
تأتي زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى نيويورك، معقل القرار السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة، في وقت تخوض فيه طهران مواجهة أمنية وعسكرية غير مباشرة مع واشنطن وتل أبيب عبر حلفائها ووكلائها في المنطقة.
هذا التوقيت الاستثنائي جعل الزيارة محط أنظار واسعة، ودفع كثيراً من المراقبين إلى عقد مقارنة مثيرة للجدل بينها وبين زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس عام 1977.
وترى وسائل إعلام أن المقارنة، بحسب هذا الطرح، لا تقوم على تطابق الحدثين في الظروف أو النتائج، بل على تشابه الحسابات الاستراتيجية والمخاطر السياسية التي يحملها كل منهما، إذ يجد كل قائد نفسه أمام معادلة صعبة: كسر الجمود الدبلوماسي مقابل مواجهة غضب القواعد الرافضة للتطبيع.
السياق التاريخي: زيارة السادات للقدس
في نوفمبر 1977، ألقى الرئيس المصري أنور السادات خطاباً أمام الكنيست الإسرائيلي، في خطوة اعتُبرت كسراً لمحرّمات عربية راسخة، إذ كانت إسرائيل حينها تُصنَّف “عدواً وجودياً” خاضت ضده مصر أربع حروب (1948، 1956، 1967، 1973).
جاءت الزيارة بعد حرب أكتوبر 1973 التي منحت مصر أوراق قوة تفاوضية، وسعى السادات من خلالها إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل وفتح باب مفاوضات السلام، وهو ما تمخض لاحقاً عن اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 والمعاهدة المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وقد أثارت الخطوة صدمة سياسية واسعة في العالم العربي ومعارضة شديدة من التيارات الراديكالية والقومية، كما أدت إلى تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية عام 1979 ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، فضلاً عن اغتيال السادات في أكتوبر 1981 على يد تيارات إسلامية متشددة رفضت المسار التفاوضي.
أوجه الشبه بين الزيارتين
1.
اختراق بروتوكولات العداء.
وفق هذا التحليل، فإن خطاب بزشكيان في نيويورك، معقل القرار الأمريكي، يمثّل اختراقاً مماثلاً لبروتوكولات العداء التقليدي، نظراً لكونه يأتي في وقت تخوض فيه إيران مواجهة “فعلية وإن كانت غير مباشرة” ضد الولايات المتحدة وإسرائيل عبر حلفائها في المنطقة.
2.
الدبلوماسية في عاصمة الخصم.
كلا الحدثين يمثّل ذهاب القائد السياسي مباشرة إلى “عاصمة الخصم” لطرح رؤيته، بدلاً من الاعتماد على القنوات الخلفية أو الوسطاء: السادات تحدّث أمام الإسرائيليين في القدس، وبزشكيان يتحدث من المنبر الأممي في نيويورك محاطاً بالإعلام والسياسيين الأمريكيين والغربيين في ذروة التصعيد.
3.
البحث عن تسوية وسط الاشتباك.
سعى السادات إلى إنهاء حالة الحرب وفتح باب السلام عقب حرب 1973، بينما يسعى بزشكيان، عبر خطابه، إلى محاولة كسر العزلة الدولية عن إيران وتخفيف العقوبات الاقتصادية وإيجاد قنوات تواصل مع الغرب، رغم استمرار احتدام المواجهة الميدانية.
ومن أبرز ما طرحه بزشكيان في هذا السياق إعلانه استعداد إيران لإنهاء أزمة برنامجها النووي مع الغرب، مع تمسكه في الوقت نفسه بحق بلاده في الدفاع عن موقفها “بقوة”.
4.
الصدمة والمعارضة الداخلية.
كما واجهت خطوة السادات معارضة راديكالية حادة داخل العالم العربي، فإن الانفتاح الدبلوماسي الذي يمثّله وجود بزشكيان في الولايات المتحدة يواجه، بحسب هذا الطرح، تدقيقاً وضغوطاً من التيارات المحافظة والمتشددة داخل إيران، التي تعتبر أي تقارب مع واشنطن تنازلاً غير مقبول.
أوجه الاختلاف البنيوية بين التجربتين
على الرغم من نقاط التشابه، تبقى الفروق بين التجربتين جوهرية ولا تخطئها العين:
- طبيعة المكان: زيارة السادات كانت زيارة ثنائية مباشرة إلى دولة الخصم نفسه (إسرائيل)، بينما زيارة بزشكيان تأتي ضمن مشاركة متعددة الأطراف في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي إطار دولي وليس ثنائياً.
- الترتيب والوساطة: ذهب السادات بصفته الطرف المبادر والمخاطِر الأول، فيما تتحرك إيران داخل إطار أممي لا يفرض عليها خطوة تطبيع مباشرة.
- البنية السياسية: اتخذ السادات قراره في نظام رئاسي يتيح له هامشاً واسعاً من المناورة، بينما يتحرك بزشكيان داخل نظام إيراني تعددي المؤسسات، حيث يملك المرشد الأعلى ومؤسسات موازية سلطة حاسمة على ملفات السياسة الخارجية والأمنية، ما يقيّد قدرته على تكرار “قرار السادات”.
- المآل التاريخي: انتهى مسار السادات إلى معاهدة سلام كاملة وثمن داخلي باهظ، أما المسار الإيراني فلا يزال في طور الاختبار، ولا يوجد مؤشر على استعداد إيراني لخطوة تطبيعية مماثلة.
القيود العملية على زيارة بزشكيان
لم تقتصر التحديات على البُعد الرمزي، بل امتدت إلى تفاصيل عملية كاشفة.
فقد وافقت الإدارة الأمريكية على السماح لـ”الوفد الأساسي” الإيراني برئاسة بزشكيان بحضور أعمال الجمعية العامة، التزاماً باتفاقية مقر الأمم المتحدة، غير أن واشنطن رفضت منح تأشيرات دخول لعدد من أعضاء الوفد المرافق، بمن فيهم أعضاء الفريق الإعلامي، وهو ما اعتبرته طهران تضييقاً متعمداً.
وتفرض هذه القيود برمتها إشارة مزدوجة: فمن جهة، توحي واشنطن بأنها تسمح بقناة دبلوماسية محدودة؛ ومن جهة أخرى، تؤكد بسلوكها العملي أن الثقة بين الطرفين لا تزال معدومة، وأن أي انفتاح يبقى محكوماً بشروط إجراءاتية ضيقة.
لماذا لا تتكرر “مشهد السادات” بسهولة؟
يمكن إجمال العوامل التي تجعل تكرار السيناريو المصري في النسخة الإيرانية احتمالاً بعيد المدى في النقاط التالية:
- غياب مرجعية قرار موحّدة: القرار الاستراتيجي الإيراني موزّع بين مؤسسات متعددة، ما يجعل أي اختراق حقيقي بطيئاً وقابلاً للنقض.
- تعقيد ملف العلاقة مع إسرائيل: لا توجد قناة إيرانية إسرائيلية مباشرة قابلة للتفعيل، وترفض طهران أصلاً الاعتراف بإسرائيل.
- بنية التحالفات الإقليمية: إيران مرتبطة بشبكة حلفاء تفرض عليها تكاليف باهظة لأي انفتاح أحادي على الغرب.
- تجربة سابقة موجعة: الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018 جعل طهران تتعامل مع أي انفتاح جديد بحذر شديد.
خلاصة: رمزية عالية وصلاحية قابلة للاختبار
قد لا تكون زيارة بزشكيان إلى نيويورك “نسخة إيرانية” من زيارة السادات، لكنها بلا شك تحمل جزءاً من رمزيتها: قائد سياسي يخاطر بالذهاب إلى قلب معسكر الخصم، بحثاً عن مخرج من عنق الزجاجة.
الفارق الجوهري أن السادات ذهب ليوقّع سلاماً، بينما يأتي بزشكيان ليطرح استعداداً للحوار وسط مواجهة مفتوحة.
ولذلك يبقى السؤال قائماً: هل ستتحول هذه الرمزية إلى مسار تفاوضي حقيقي، أم أن القيود البنيوية ستُجهضها قبل أن تثمر؟.

التعليقات