في إطار الدبلوماسية المصرية النشطة على الساحة الدولية، شهد مقر الأمم المتحدة في نيويورك حراكاً مكثفاً لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، الذي يشارك نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي في سلسلة من الفعاليات رفيعة المستوى، في وقت تتصاعد فيه الأزمات العالمية وتتعمق فيه حالة الاستقطاب بين القوى الكبرى.
مصر ورهان الشراكة الدولية
جاءت مشاركة مدبولي في اجتماع القادة المخصص لـ«الشراكة من أجل العمل متعدد الأطراف والأمن» لتؤكد موقفاً مصرياً ثابتاً يرى أن الأمن الجماعي لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة ملحة لمواجهة التحديات المركبة التي تهدد استقرار الشعوب.
وأوضح رئيس الوزراء أن القضايا الأمنية والاقتصادية باتت متشابكة بشكل يجعل التعامل معها منفردةً عبثاً بلا جدوى، ما يستدعي تعزيز أطر التعاون الدولي ووضع مصالح الدول النامية في صدارة جدول الأعمال العالمي.
وتتقاطع هذه الرسالة المصرية مع مطالب متزايدة من دول الجنوب لإصلاح منظومة الحوكمة العالمية، بما في ذلك مجلس الأمن والمنظمات المالية الدولية، بحيث تعكس تشكيلاتها الحقيقية لخريطة القوى المعاصرة، لا ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
دبلوماسية الجسور ودور مصر الإقليمي
أكد مدبولي أن مصر، بفضل موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي، تتحرك دائماً كجسر لتقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة، وأن العمل الجماعي هو المخرج الوحيد من دوامة الاستقطاب الراهنة.
وتستند القاهرة في ذلك إلى رصيد طويل من الوساطات الإقليمية والانخراط في ملفات السلام والتنمية، وهو ما يمنحها مصداقية في المخاطبة بين الأطراف المختلفة.
وفي هذا السياق، شدد رئيس الوزراء على أن مفهوم الأمن الشامل لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بشراكات اقتصادية عادلة ومستقرة تضمن الحقوق الأساسية للشعوب، وترفض منطق الهيمنة أو الانفراد بالقرار الدولي.
التنمية المستدامة في قلب الرؤية المصرية
استعرض مدبولي الجهود المصرية في مجالات التنمية المستدامة، وعلى رأسها «رؤية مصر 2030» التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتطوير البنية التحتية وتحسين جودة الحياة، إضافة إلى مشروعات قومية كبرى في الطاقة المتجددة والنقل والتحول الرقمي.
وتؤكد القاهرة أن تمويل التنمية في الدول النامية، وتخفيف أعباء الديون، ونقل التكنولوجيا، تمثل شروطاً عملية لأي نظام دولي أكثر استقراراً وعدالة.
كما تطرق رئيس الوزراء إلى قضايا المناخ والغذاء والمياه، وهي ملفات تمس الأمن القومي لعدد واسع من الدول، داعياً إلى تفعيل التعهدات الدولية وتحويلها إلى برامج تنفيذية ملموسة بدلاً من الوعود المؤجلة.
دلالات التوقيت
يحمل توقيت هذه المشاركة دلالات مهمة، إذ تأتي في ظل حرب مستمرة في غزة وأزمات متلاحقة في السودان وليبيا واليمن، وضغوط اقتصادية عالمية تنعكس على أسعار الطاقة والغذاء.
وترى القاهرة أن استمرار انسحاب القوى الكبرى من مسؤولياتها الدولية، أو توظيف النظام متعدد الأطراف لخدمة أجندات ضيقة، من شأنه تعميق الفوضى الدولية وإضعاف قدرة المؤسسات على الاستجابة للأزمات.
وبذلك تقدم مصر نفسها ليس فقط كطرف متأثر بالتحديات العالمية، بل كمهندس مقترحات لإعادة بناء الثقة بين الدول، ولتذكير المجتمع الدولي بأن الشرعية الدولية والأمن الجماعي لا يقومان إلا على احترام القانون الدولي ومبدأ المساواة في السيادة.

التعليقات